مشكلة حديث الافتراق والحلول المتفرقة.
مشكلة حديث الافتراق والحلول المتفرقة.
حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة من الأحاديث التي يكثر الحديث والسؤال عنها في هذا الزمان، وغالب المثقفين المتأثرين بالحداثة يزعجهم في هذا الحديث فكرة (الحق الواحد) و(الباطل المتعدد) والذي يقتضي احتكار الحقيقة أو وجود حق موضوعي وهذا يخالف ما يروجون له من نسبية الحقيقة أو تكافؤ الأدلة ويقتضي أيضاً إعلاء القضية الدينية وهم يعتبرون ذلك خطيراً بل الدين يحافظ على الأخلاق والفضائل ولكن لا يكون قيمة أصلية كبرى يعقد عليها الولاء والبراء!
والكثير من المتشرعين مشكلتهم مع هذا الحديث مختلفة فهم يرون أنه قد يكون باباً للغلو والخوف من الغلو اليوم عظيم جداً بل يمكنك أن تقول "أن هناك غلواً في حرب الغلو".
وأيضاً رأوا أنه قد يؤدي إلى استغراق في نقاشات بين أهل الملة يلهيهم ذلك عن مشاهدة مشاريع الأمة الكبرى من سعي للتمكين وتحقيق نهضة اقتصادية سياسية اجتماعية شاملة، وأيضاً ضغط المثقفين الحداثيين عليهم لاقى استجابة عن طريق البحث عن جواب ملفق، وخرج عدد منهم بجواب يحافظون فيه على وجود حقيقة مطلقة وحق وباطل في البحث العلمي ولكن دون أن يترتب عليه آثار عملية.
فقال عدد منهم بتضعيف الخبر ومنهم من صحح الخبر ولكن ضعف زيادة (كلها في النار إلا واحدة) أو يتم تفسير خبر (كلها في النار إلا واحدة) على أنه وعيد والوعيد جائز تخلفه أو يقال أنه وعيد من جنس الوعيد على المعاصي وهذا لا يكاد يسلم منه (أعني الوعيد على المعاصي) عامة يسمون فرقة ناجية فإذن لا داعي للاستعلاء على الخلق.
فنعم هناك صواب وخطأ في البحث العلمي وهكذا نكون نافرنا طريقة القائلين بتكافؤ الأدلة، ولكن هذا التصويب والتخطئة لا يترتب عليه ولاء وبراء وأحكام على المخالفين وهكذا نكون نافرنا طريقة الغلاة!
نعم جميع الفرقاء السابقون متفقون على وجود تصنيف للفرق التي صدر منها توسع في سفك الدم الحرام أو استطالة في الأعراض أو أحكام غليظة على المخالفين لأن هؤلاء يعتدون على البشر وهذا باب يتفق على ذمه الحداثي والمتشرع المعاصر؛ وهذا القول هو ما يعتقدونه وسطية واعتدالاً ويدعمه الكثير من عوام الناس غير أن كثيراً مما يزعم أنه وسطية هو في حقيقته تناقض.
فوجود صواب وخطأ يقتضي ضرورة وجود ولاء وبراء في درجة من درجات الخلاف نعم هناك مسائل اجتهادية وهناك مسائل خلافية وهناك مسائل سنة وبدعة وهناك مسائل كفر وإسلام وكل إنسان دخل في العلم يعلم من نفسه ضرورة تفاوت ظهور الحق في نفسه بين المسائل المختلفة وهذا إجماع العلماء القطعي وهو أمر مدرك بالضرورة.
وحديث الافتراق فيه كلام على نوع معين من الاختلاف وهو اختلاف السنة والبدعة وهو دون خلاف الكفر والإسلام وفوق خلاف المسائل الاجتهادية والخلافية المعتبرة، وهو ليس الحديث الوحيد في الباب الذي يدل على المراد فعلى سبيل المثال حديث الحوض: [إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا، {كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104]، ثم إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا إنه يجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا، ما دمت فيهم} [المائدة: 117] إلى قوله {شهيد} [المائدة: 117] فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم].
هذا الحديث فيه تعليل ذود الناس عن الحوض بأنهم (أحدثوا) يعني ابتدعوا في الدين والذود عن الحوض بمعنى قولك (كلها في النار) فإن حديث الافتراق اشترط في كونهم ناجين أن يكونوا على السنة وهدي الصحابة وهؤلاء المذادون ليسوا كذلك، وقوله (مرتدين) المراد الردة الصغرى بدليل رواية [فلا أرى ينجو منهم إلا مثل همل النعم]، فوجود ناجين يدل على أن ردتهم ليست الكبرى التي تخرج من الملة وهذا يطابق معنى عامة حديث الافتراق.
ثم إنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (كل بدعة ضلالة) وثبت عن ابن مسعود قوله (وكل ضلالة في النار) وهذا أيضاً يؤيد دلالة حديث الافتراق، وثبت عن ابن عمر وابن عباس ذم القدرية مع انتحالهم الدين فما المستغرب في وجود فرق هالكة تنتسب للدين وتدعي الحق، وقد شهد ابن عمر على القدرية بالمروق من الدين والأحاديث في الخوارج واردة بمعنى المروق من الدين.
وما قاله ابن عمر وابن عباس في القدرية ينطبق من باب أولى على منكري الصفات فأمرها أظهر من أمر القدر في النصوص والشبهة العارضة للقدرية أقوى من الشبهة العارضة للجهمية، وإذا وجد في الأمة من غلا حتى نفى القدر فلا يبعد أن يوجد من يجفو حتى يقول بالجبر وكذلك إذا وجد من غلا حتى قال بقول الخوارج فلا يبعد أن يوجد من يجفو حتى يقول بقول المرجئة.
وهذه سنة الله عز وجل في الخلق ما يظهر غلاة حتى يقابلهم جفاة والعكس بالعكس وما شأن المسيح عليه الصلاة والسلام عنا ببعيد.
=
روى ابن أبي شيبة في المصنف [32796]عن علي: (ليحبني قوم حتى يدخلوا النار في حبي وليبغضني قوم حتى يدخلوا النار في بغضي).
وهذا واضح في أن الروافض والشيعة داخلون في الوعيد وأن النواصب والخوارج داخلون في الوعيد وهذا جزء من معنى حديث الافتراق في شأن الفرقتين، وهذا إذا كان الغلو في بغض علي يؤدي إلى النار فما بالك ببغض الصحابة كلهم أو عامتهم والعكس بالعكس.
وقال أنس: ”من كذب بالحوض لم يشرب منه“.
وكثير من هذه الضلالات ليس من شرطها أن يتوسع أهلها في الدماء أو الأعراض حتى يكونوا محكوما عليهم بالضلالة، وأحاديث غربة الإسلام في آخر الزمان تعضد هذا المعنى بالجملة فهذا يدل على كثرة الباطل وتنوعه في آخر الزمان.
ولا يعارض هذا نهائيا كون الأمة فاضلة ومرحومة فالفرقة الناجية في الزمن القديم كان أفرادها أكثر من أفراد الفرق الهالكة مجموعين وأما في آخر الزمان فقد ينقص عددهم ويمرون بأوقات فترات وصحوات.
وقد اتكأ بعضهم على كلام للشاطبي في عدم تعيين الفرق الهالكة في الموافقات هذا مع أن الشاطبي يصر على إدخال البدع العملية في المهلكات وقد ورد عن جماعة من السلف تعيين الفرق الهالكة (وقال ابن بطة أن هذا بحسب ما انتهى إليه علمهم وإلا فالأمر أعظم)، غير أن كلام الشاطبي ليس مطلقا بل قال في الموافقات: (فإذا كان من مقتضى العادة أن التعريف بهم على التعيين يورث العداوة والفرقة وترك الموالفة، لزم من ذلك أن يكون منهيا عنه، إلا أن تكون البدعة فاحشة جدا كبدعة الخوارج، فلا إشكال في جواز إبدائها وتعيين أهلها، كما عين رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج وذكرهم بعلامتهم، حتى يعرفون ويحذر منهم. ويلحق بذلك ما هو مثله في الشناعة أو قريب منه بحسب نظر المجتهد، وما سوى ذلك، فالسكوت عن تعيينه أولى).
فهو يقول أن البدعة إذا كانت شنيعة جدا كبدعة الخوارج أو ما يشابهها في نظر المجتهد عين ولا مشكلة وعلق المحقق في الحاشية
وقال في "الاعتصام" "2/ 726، 730":
(إن التعيين يكون في موطنين: الأول ما أشار إليه هنا، والثاني: حيث تكون تلك الفرقة تدعو إلى ضلالتها وتزيينها في قلوب العوام، "ومن لا علم عنده"، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس، "وهم من شياطين الإنس"، فلا بد من التصريح بأنهم من أهل البدعة والضلالة).
وبناء على القيد الذي ذكره في الاعتصام التعيين متعين إذ لا يوجد فرقة لا يوجد فيها دعاة، وأما الحديث عن كون الوارد في الخبر وعيد من جنس الوعيد على الكبائر فالوعيد يتفاوت فليس الوعيد على القتل كالوعيد على الزنا والسرقة وكلها كبائر والبدع منصوص على أنها شر الأمور فنعم هي جائز مغفرتها شأنها شأن الذنوب الشهواتية ولكن الأمر فيها أشد.
وأما الكلام عن أن هذا وعيد وقد يتخلف فهذا حق ولكن الوعيد الأصل فيه نفوذه في أعيان كثر فمن يقرأ الخبر الوارد في أن الخوارج (كلاب أهل النار) أو كلام ابن عمر في القدرية لا يشك أنه ينطبق على جمع غفير منهم ونحن نسعى لإنقاذ الناس لأننا لا يوجد عندنا ما يدل قطعا على عدم نفاذ الوعيد في حق هذا الإنسان.
وأما الحديث عن الخوف من الغلو فكذلك ينبغي أن نخاف من الجفاء وفكرة تكافؤ الأدلة بل الغلو لا يجابه بشيء أحسن من الأحكام المنضبطة أما إغلاق الباب بالكلية فهذا سيؤدي إلى ردة فعل عكسية وردود الأفعال العكسية فعلت الأفاعيل وأما التأثر بالجفاء فعدم حرارة التدين من أساسها.
وبعض التسامحات من المعاصرين أو المتأخرين غالب كلام السلف على خلافها فإظهارها على أنها الاعتدال يفتح باب الاتهام للسلف بالغلو وهذا يفتح بابا للشبهات يستفيد منه كل مبطل ويصعب إغلاقه، وبعض الناس يتصور أن الفرقة الناجية لا بد أن تكون تكتلا وليس الأمر كذلك فقد تكون عقيدة يعتقدها أفراد متفرقون وكذلك سلوك يسلكه أقوام متفرقون في البلدان كما ورد في الخبر (فاعتزل تلك الفرق كلها ) المعتزل هذا يكون الناجي والمعتزلون يكونون أوزاعا وقد يكونون مجتمعين.
وحديث الافتراق فيه لفتة تقضي على مذاهب الغلاة إذ جعل الاثنين وسبعين فرقة من الأمة ولهذا كان بعض السلف يقول الجهمية خارج الاثنتين وسبعين فرقة واليوم صنف من الغلاة كل المخالفين عنده كفار لا فرق بين من يخالفه في علو الله على خلقه ومن يخالفه في بعض دقائق مسائل التكفير
اعتراف لحنفي ماتردي بأن ممارسات متأخري الصوفية مع قبور الأولياء شرك ...
محمد بن علي ابن القاضي محمد حامد بن محمّد صابر الفاروقي الحنفي التهانوي (المتوفى: بعد 1158هـ )
له كتاب ضخم اسمه "موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم" يعرف بنفسه في بداية الكتاب فيقول: فلمّا فرغت من تحصيل العلوم العربية والشرعية من حضرة جناب أستاذي ووالدي شمّرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم الحكمية الفلسفية من الحكمة الطبيعية والإلهية والرياضية، كعلم الحساب والهندسة والبيئة والاسطرلاب ونحوها، فلم يتيسّر تحصيلها من الأساتذة، فصرفت شطراً من الزمان إلى مطالعة مختصراتها الموجودة عندي فكشفها الله تعالى عليّ.
فالظاهر أنه من أسرة علمية وكتابه هذا سار فيه على طريقة الماتردية، وعظم علم الكلام جداً، وظاهر من هذا الكتاب تمكنه من المنطق وعلم الكلام ودقائق خلافيات الأشاعرة والماتردية، ومعرفة بالتصوف على طريقة ابن عربي، وأيضاً الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي (وهذا كان دأب شيوخ ذلك الوقت)
يقول في كشافه (1/1024) :" إذن فليعلم أنّ تفصيل أنواع الشّرك في عالم الواقع هو: ثمّة فرقة تعتقد بوجود صانعين للعالم؛ أحدهما حكيم وهو مصدر الخير والفضائل، وذاك الذي يدعى يزدان، وآخر:
سفيه هو مصدر الشّرّ والرذائل وذاك ما يدعونه أهرمن. ويقال لهذه الجماعة: الثنوية. وبطلان مذهبهم بلسانهم أيضا ظاهر؛ لأنّ ذلك الصانع السفيه إذا كان من عمل الصانع الحكيم، فيلزم إذن أن يكون الشّرّ صادرا عن الحكيم أيضا"
ثم ذكر الفرقة الثانية والثالثة ثم وصل إلى الفرقة الرابعة وهي بيت القصيد: "والفرقة الرابعة: عبّاد الشيوخ. القائلون: بأنّ الرجل الكبير قد صار بسبب كمال الرياضة والمجاهدة الروحية مستجاب الدّعوة ومقبول الشفاعة، فتصل إلى روحه قوة عظيمة واسعة وفخمة جدا من هذا العالم. فكلّ من يجعل من صورته برزخا أو يتذلّل على قبره ويسجد أو يذكر مكان عبادته أو ينذر باسمه ويتضرّع له وما شابه، وحينئذ تطلع عليه روح ذلك الشيخ بسبب كمالها وتشفع له في الدنيا والآخرة"
تلاحظ أن هذه الفرقة التي يتكلم عنها تشبه إلى حد كبير ممارسات الصوفية المتأخرين مع البدوي والرفاعي والدسوقي وغيرهم.
ولم يترك التهانوي الأمر لاستنباطنا بل قال: "ومن جملة هؤلاء أيضا: من ينذر لغير الله أو يذبح ويقرّب القرابين تعظيما لغير الله، أو تقرّبا لغير الله، وهم بذلك يسوّون بين الله وبين مخلوقاته في تلك الأمور. كما أنّ من جملة هؤلاء من يتسمّى باسم عبد فلان أو غلام فلان وهذا نوع من الشّرك في الأسماء. كما ذكر ذلك الترمذي في الحديث وأخرجه الحاكم في تفسير قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ، فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ في سورة الأعراف؛ بما أنّه لم يعش لهود عليه السلام ولد، فتمثّل إبليس بهيئة رجل كبير وقال: إذا ولد لك غلام هذه المرة فسمّه عبد الحارث لكي يعيش. وبناء على ذلك هكذا فعلوا وعاش الغلام. ومن جملة هؤلاء أيضا: أولئك الذي يدعون غير الله لدفع بلاء، وكذلك لجلب المنافع يتوجّهون لغير الله. ويعدّون هؤلاء عالمين بالغيب ولهم القدرة المطلقة. وهذا نوع من الشّرك في العلم والقدرة.
كذلك من جملة هؤلاء قوم يسوّون بين اسم الله وبين اسم كائن آخر في مقام العلم الشامل أو المشيئة الشاملة أو الإرادة المطلقة، وذلك كما أخرج النسائي وابن ماجة في الحديث الذي ورد فيه أنّ أحدهم قال للنبي صلّى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: جعلتني لله ندّا، بل ما شاء الله وحده.
وينبغي أن يعلم هنا بأنّ عبادة غير الله تعدّ شركا وكفرا"
وهو ينقل كلام عبد العزيز الدهلوي، التهانوي هذا معاصر للشيخ محمد بن عبد الوهاب ويلاحظ أنه لا يمكنك أن تفصل بين كلامه وكلام الشيخ، وتنبيهه على أن من يستغيثون بالأولياء يثبتون لهم علم الغيب والقدرة المطلقة، تنبيه دقيق في بيان تعدد مآخذ شركية هذه الممارسة.
ما كنا لنحتاج إلى نقل مثل هذا الكلام لولا أن اليوم كثير من مخالفي السلفية يأتون لأحوال لا تختص بها السلفية، ويحاولون إظهارها على أنها خصوصية سلفية أو خصوصية نجدية (استفادة من الوحشة الموجودة بين الشعوب)
وأيضاً؛ حين نتفق على أنّ الممارسة الفلانية شركية أو قريبة من الشرك، ويقترن بها شركيات، فيقع مني تشديد في اللفظ تجاهها، كأن أصفها بأنها أعظم من شرك اليهود والنصارى، ويقع منك تخفيف في اللفظ، فالوقوف عند مثل هذا تناكد ظاهر، لأننا متفقون على أن الأمر شرك ويجب إنقاذ الناس منه. وحين يكون لي جهد أعظم من جهدك بكثير حتى يظن الناس أن الأمر مختص بي فهناك ينبغي عليك الشكر والثناء والنقد يكون خفيف اللهجة.
لا أن تخفف اللهجة مع الواقع في الشركيات، ثم تشدد مع من تراه شديداً في إنكارها فإن شدتي لا تخرجني من الملة، ولكن شركه يخرجه من الملة.