=
=
سبب حديثي عن هذه الثورة أنها أخرجت الناس قليلاً من حال الانتقائية الذي كانوا يعيشونها.
الكثير من الناس يحب من الدين شيئاً معيناً ويحب كتمان آخر لا يوافق هواه، فالكثيرون يحبون الحديث عن الفضائل، كثير من الآباء والأمهات يحبون الحديث عن بر الوالدين، الكثير من النساء يحببن الحديث عن حقوق النساء في الإسلام ، الحاكم يحب الحديث عن حقوق ولي الأمر، الفقير يحب الحديث عن الصدقة، الغني يحب الحديث عن فضل الاكتساب وأن اليد العليا خير من اليد السفلى.
والواقع أن الاختبار يكون في الأمور التي لا تحبها ({كتب عليكم القتال وهو كره لكم} فالدين محاسنه كثيرة ومنافعه على دنيا الناس عظيمة، ولكن لا بد من شيء تبذل فيه لله عز وجل ويظهر فيه صدق إيمانك.
الحدود والولاء والبراء والأحكام على المخالفين بكل درجاتها وجهادهم بأنواعه كلها أمور ثقيلة ولا شك، ولكن الأمور المحببة لا تنال إلا بهذه الثقيلة، ولو كان الدين خالياً من هذه الأمور لقبلته الكثير من النفوس التي دفعت براهينه نفرة من هذه الأمور.
قال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} وقال تعالى: {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا}، وكثير من الناس نفسه كنودية يجعل في الإسلام والسنة ألف مرقق لقلبه ومنافع لا تحصى فإذا طلب منه عنوان لا يعجبه التف عليه بتحريف أو حجج واهية، وربما انتكس بالكلية بسبب هذا الأمر.
وتراثنا في الحقيقة واسع ورحب وفيه مجال كبير للانتفاع ومجال كبير للاجتزاء أيضاً، وكثير ممن وجدوا حفاوة عند جمهور معين أحسنوا مهارة الاجتزاء هذه.
ولما رأيت هذا حال أهل الاجتزاء، وحال أهل العلم الذين يدخلون في السلم كافة وإن اتهمهم المنحل بالتطرف واتهمهم الغالي بالتمييع تذكر ما روى الدارقطني في سننه: "36 -حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، ثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن سالم السلولي أبو سالم، قال: سمعت أبي، قال: سمعت وكيعا، يقول: «أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم».
ومعيار الإسناد معيار محايد، غير أن المصيبة إذا استغنينا عن الإسناد وصرنا نستدل ونستشهد بما يعجبنا متنه، فهنا ما أسهل أن يحمل الدين على أهواء الناس.