كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= هذا القول لم يمثل قمعاً للقول الخاطئ في تفضيل علي على عثمان، ولا بيانا للواجب في موالاة الصحابة. بل تطور الأمر في الكوفة حتى فشا تفضيل علي على أبي بكر وعمر، ثم الوقيعة فيهما، فما زاد فعل الحسن بن محمد على أن أضعف أهل الحق عن مقارعة أهل الباطل، وأهل الباطل ما تركوا باطلهم وتطور في ذريتهم إلى ما هو أبطل وأشد. حتى أننا نرى اليوم من الغلو في أهل البيت وسب الصحابة ما لم يكن يخطر على بال أحد في أزمنة السلف الكرام. ولهذا ندم الحسن بن محمد على وضع كتابه لما أدرك أنه لا يحل المشكلة، بل كنا في فرقتين فصرنا في ثلاثة، وأن كل فريق يبني قوله على مقدمات إلا الفزعين من الخلاف يبنونها على عواطف، وقد يحاولون تغليفها بالعلم، ولكن يظهر ضعف الأمر لكل مدقق. الدرس المستفاد من هذا أن الفزع الشديد من الخلاف قد يأتي بحلول كارثية لا تزيد الباطل إلا قوة، ولا الخلاف إلا كثرة، وأصحابه يظنون أنهم يجمعون الأمة، وخير وسيلة لجمع الأمة بيان الباطل ودحضه، كما فعل الأوزاعي مع نواصب الشام، والثوري مع شيعة الكوفة. وكما حصل مع الحسن بن محمد سيحصل مع تلك الأطروحات الحالمة، التي تعتبر أطروحة الحسن بن محمد بالنسبة لها سماء. حين جاءت جائحة الكورونا لم تغلق الأقسام الأخرى في المستشفيات، وكذلك عند وجود العالمانية والليبرالية لن يتوقف الناس عن الرد على أصحاب البدع، خصوصاً من وصفت بدعتهم بالكفر، وحتى من لم توصفهم أيضاً ينبهون على باطلهم. فلما ظهرت الجهمية ما ترك السلف الرد على الفرق الأخرى. مع أنه وجد في الفرق الأخرى من له ردود متينة على الجهمية مثل إبراهيم بن طهمان من المرجئة، وهذا هشام بن عبيد الله الرازي كان شديداً على الجهمية وهو من أهل الرأي (وقد نهى أحمد عن الكتابة عنه على عادته في أهل الرأي، ولكن غيره من أهل الحديث أثنوا على مواقفه أمام الجهمية). وما منع ذلك أهل الحديث من بيان إشكاليات هذه الفرق وحكم أهلها مع ردود أعيان منها على الجهمية، وكذلك لما ظهرت القرامطة حصل الأمر نفسه. فالسنة تعالج الإشكالات صغيرها وكبيرها، وافتراض التزاحم غفلة عن عظيم قدر الوحي، وتداخل الباطل، وكون صغيره يؤدي إلى كبيره، وكون الناس ليسوا شخصاً واحداً. فزيد قد يكون باب ضلاله العالمانية، وعمرو يكون باب ضلاله الاعتزال مثلاً، كما أن فلاناً قد يكون بابه الكفر، وآخر بابه الفسق، فيجمع الداعي بين دعوة الكافر والفاسق.