الانتصار على عدو موهوم!
الانتصار على عدو موهوم!
المؤرخ الفرنسي بول هازار في كتابه أزمة الوعي الأوروبي ص٣١ يقول:
"لم يعد العربي المحمدي مؤهلًا للمصير نفسه، لأن محمدًا كان يسمع نعوتًا قاسية مثل: ......... (ذكر عدة شتائم ما طابت نفسي لإثباتها) إنه وباء من السماء. لكن العلماء جاؤوا يضيفون جهودهم لجهد الرحالة الذين استكشفوا الزمن. وقد أكب السید دو هربلو (M. de Herbelot) والسيد غالان (M. Galland) تلميذه وخليفته، الأستاذ في المعهد الملكي، على التعرف بشكل أفضل إلى الحضارة الشرقية، والسيد بوكوك (Pococke) أستاذ مادة الجزيرة العربية (Arabie) في جامعة أوكسفورد، والسيد ریلند (Reland) أستاذ اللغات الشرقية والكهنوت الكنسي القديم في أوترخت (Utrecht)، والسيد أوكلي (Ockley) أستاذ اللغة العربية في جامعة كامبردج (Cambridge). لقد قرأ هؤلاء النصوص الأصلية ونظروا منذ ذلك الحين إلى العربي بعيون جديدة.
لقد جعل هؤلاء العلماءُ الناسَ يلاحظون أن جمهورًا عريضًا ما كان ليتبع محمدًا لو كان صاحب تخيُّلات ومصابًا بالصرع. ما كان على الإطلاق باستطاعة دین ما يوصف بأنه بدائي وبائس أن يحيا وأن يتقدم. ولكن لو سألنا العرب عوض تكرار الأساطير الأكثر تزييفًا، لتبيَّن أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) وتابعيه لم يكونوا على صعيد هبات القلب والفكر أدنى مرتبة من الأبطال الذائعي الصيت عند الشعوب الأخرى. أي سوء لم يتفوه به الوثنيون عن الديانة المسيحية؟ أي سخافات لم يطلقوها في اتهامها؟ هذا ما يحصل دائمًا عندما يُحكم على الأشياء من الخارج. لقد دحضت القضايا التي لم يدافع عنها المحمدیون والأخطاء التي لم يرتكبوها. وهذا الانتصار كان سهلاً جداً. في الحقيقة كانت ديانتهم متماسكة جداً ونبيلة وجميلة. لنذهب أبعد من ذلك، كانت حضارتهم رائعة. من حافظ على حقوق الفكر والثقافة بعد أن طغت البربرية على العالم؟ إنهم العرب...
إن التطور الذي انطلق من عدم الرضى إلى التعاطف اكتمل في مدة قصيرة من السنين، ولقد اكتمل عام 1708. إنها السنة التي عبر فيها سيمون أوكلي (Simon Ockley) عن حقيقة، أو عن وهم، يبدو أنها مازالت جديرة بالنقاش بعد مئتي عام. إنه يعترض على فكرة أن الغرب يتغلب على الشرق، لأن الشرق لم ير ولادة عباقرة أقل من الغرب، ثم إن الحياة في الشرق هي أكثر سعادة".
أقول: هو يعني بالعرب المسلمين. فكرة أن الإسلام في الغرب يشوَّه جدًّا هذا معلوم ويمارس إلى الْيَوْم في القنوات التنصيرية والعالمانية ككلٍّ سوى قلة منصفة.
وفكرة أن الغربيين يمارسون لوم المسلمين على أخطاء لم يرتكبوها ويعاملونهم بالاتهام هذا شيء معروف، ومشكلة الغربي أنه يحتكم لنفسه، يضع عدة معايير ثم لا يُبرهنها بل يُحاسب الناس على مخالفتها مباشرة، وهذا كثيرٌ فيهم وفيمن يقلدهم، ثم يتكلمون عن التعددية.
مسألة أن الناس في الشرق أكثر سعادة من الناس في الغرب قد تبدو فكرة غريبة غير أن هذا الرجل مات في أربعينيات القرن، وما يقوله هنا هو اعتقاد الكثيرين هناك!
نعم، الكثير من الغربيين يرى في الروحانية ودفء الأسرة بالصورة القديمة التقليدية سعادةً، ويرى ذلك في الشرق أكثر، وربما دلَّل على وجهة نظره بكثرة الانتحار هناك وكثرة استعمال المواد المخدرة والخمور.
وعددٌ من علماء الاجتماع الذين يَرَوْن المجتمعات الأبوية أكثر صحية يقدِّمون أدلة على ذلك بارتفاع معدلات الخصوبة في تلك المجتمعات، وهذا وفقًا للفلسفة الداروينية يُعتبر دليلًا على الصحية، لهذا فكرة المجتمعات الغربية الكاملة تلك أسطورة شعبية، فهم بينهم خلاف في تعريف الخير والصواب والخطأ فضلاً عن مفاهيم مثل التقدم والتأخر، وأحسنهم حالًا من يعترف بوجود عيوب وحسنات في كل مجتمع ولكنه يرى تفضيل المجتمعات الغربية أي أن ما كسبته أفضل مما فقدته، وهذا التفضيل يكون مبنيًّا على الاحتكام للذات لا على أدلة قائمة بذاتها، بل ذلك لا يقوم إلا بإبطال الدين وما تفرَّع عنه بشكل قطعي، وذلك قبضُ الشمس أقرب منه.
ولكن نحن لمَّا تشبَّهنا بالأمور السوء عندهم وكثُر فينا جلد الذات؛ صرنا مؤهَّلين لاستيراد التعاسة أيضًا.