نقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب لقياس أصحاب البدع المكفرة على المنافقين..
نقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب لقياس أصحاب البدع المكفرة على المنافقين..
أكْثرَ أدعياء زماننا التشويش على حد الردة تأثرا بالثقافة الغربية السائدة، وتطلبوا لذلك أصلا دينيا، فوجدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين خشية أن يقال أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، فظنوا أنهم بهذا الاستدلال وجدوا بغيتهم.
فأجابهم أهل العلم أن مثال المنافقين ضدهم وذلك أن المنافق كان يكتم كفره، فلو كان الكفر ليس عليه تبعات ما كتمه، وكانوا يحلفون أنهم ما قالوا.
وقد نص مالك والشافعي على أن المنافقين لو تمت عليهم الشهادة لقتلوا ردة، فهناك فرق بين الحكم القضائي وحكم القاضي بعلمه، فقد يعلم القاضي من إنسان جناية ولكن لا يحكم عليه لأن الحكم القضائي يتطلب بينات أكثر من علم القاضي، وثبوت الحكم القضائي بالقرائن محل نزاع بين العلماء.
واستدلوا عليهم أيضا بقوله تعالى: {أخذوا وقتلوا تقتيلا}[الأحزاب]. فسرها جماعة السلف بأنهم يُقتلون إذا جهروا بكفرهم الذي يبطنون أو ثبت عليهم بالبينات.
غير أن استدلال الحداثيين هذا لم يكن جديدا، فقد استدل بعض خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب عليه بأمر المنافقين لما رآه يكفر جماعة من عباد القبور فأجابه الشيخ بما يلي:
"أما استدلالك بترك النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده تكفير المنافقين وقتلهم، فقد عرفه الخاص والعام ببديهة العقل، أنهم لو يظهرون كلمة واحدة أو فعلا واحدا من عبادة الأوثان أو مسبة التوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أنهم يقتلون أشر قتلة. فإن كنت تزعم أن الذين عندكم أظهروا اتباع الدين الذي تشهد أنه دين الرسول صلى الله عليه وسلم، وتبرؤوا من الشرك بالقول والفعل، ولم يبق إلا أشياء خفيه تظهر على صفحات الوجه، أو فلتة لسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول، وقتلوا الطواغيت، وهدموا البيوت المعبودة، فقل لي. وإن كنت تزعم أن الشرك الذي خرج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من هذا، فقل لي. وإن كنت تزعم أن الإنسان إذا أظهر الإسلام، لا يكفر إذا أظهر عبادة الأوثان، وزعم أنها الدين، وأظهر سب دين الأنبياء، وسماه دين أهل العارض، وأفتى بقتل من أخلص لله الدين وإحراقه وحل ماله، فهذه مسألتك، وقد قررتها وذكرت أن من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا لم يقتلوا أحدا، ولم يكفروه من أهل الملة. أما ذكرت قول الله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض} إلى قوله: {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا}. واذكر قوله {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا} إلى قوله: {فخذوهم واقتلوهم} الآية، واذكر قوله في الاعتقاد في الأنبياء: {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون}، واذكر ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أشخص رجلا معه الراية، إلى من تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله، فأي هذين أعظم؟ تزوج امرأة الأب أو سب دين الأنبياء بعد معرفته؟ واذكر أنه قد هم بغزو بني المصطلق لما قيل إنهم منعوا الزكاة، حتى كذب الله من نقل ذلك. واذكر قوله في أعبد هذه الأمة وأشدهم اجتهادا: " لئن أدركتهم، لأقتلنهم قتل عاد. أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة". واذكر قتال الصديق وأصحابه مانعي الزكاة، وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم.
واذكر إجماع الصحابة على قتل أهل مسجد الكوفة، وكفرهم وردتهم، لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا؛ والمسألة في صحيح البخاري وشرحه، في الكفالة. واذكر إجماع الصحابة لما استفتاهم عمر على أن من زعم أن الخمر تحل للخواص، مستدلا بقوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} مع كونه من أهل بدر. وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في علي مثل اعتقاد هؤلاء في عبد القادر، وردتهم، وقتلهم، فأحرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهم أحياء، فخالفه ابن عباس في الإحراق، وقال: يقتلون بالسيف، مع كونهم من أهل القرن الأول، أخذوا العلم عن الصحابة".
ثم استرسل الشيخ في فصل بديع.
وقد تم إحياء هذا الاستدلال من بعض المنتسبين للعلم في زماننا فقالوا في أصحاب البدع المكفرة انهم مثل المنافقين، ولا فضل في معرفة المنافق!
والحق أن الله عز وجل بين في كتابه صفات المنافقين وأمر بجهادهم، وكذلك أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم حتى سميت السورة التي تذكر صفاتهم بالفاضحة، وكان عمر يأمر الرجال بتعلمها.
فلا شك أن في معرفتهم فضلا وزيادة علم.
ومعرفتهم على وجهين:
الوجه الاجمالي.
والوجه التفصيلي (ولتعرفنهم في لحن القول).
وفي الحديث (وما يتخلف عنها إلا مريض أو منافق معلوم النفاق)
وفي حديث كعب تكلم عن منافقين معروفين.
فالصحابة كانوا يعرفون الكثير من المنافقين، وإنما فضلهم حذيفة بزيادة علم تفصيلي، ثم معرفة درجات تأثر أهل الإيمان بهم.
=
=
هذا في المنافق المستتر الذي تظهر منه فلتات فحسب، فكيف بصاحب البدعة المكفرة المجاهر الداعية.
وقد نبّه شيخ الإسلام على انحراف من نفى وجود النفاق في الأزمنة المتأخرة أو غفل عن وجوده، حيث قال كما في مجموع الفتاوى (٧/٢١٢): "فإن كثيرا من المتأخرين ما بقي في المظهرين للإسلام عندهم إلا عدل أو فاسق وأعرضوا عن حكم المنافقين، والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة، والنفاق شعب كثيرة، وقد كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم".
إلى أن قال: "ولهذا لما كشفهم الله بسورة براءة بقوله: {ومنهم} {ومنهم} صار يعرف نفاق ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم قبل ذلك فإن الله وصفهم بصفات علمها الناس منهم؛ وما كان الناس يجزمون بأنها مستلزمة لنفاقهم وإن كان بعضهم يظن ذلك وبعضهم يعلمه؛ فلم يكن نفاقهم معلوما عند الجماعة بخلاف حالهم لما نزل القرآن؛ ولهذا لما نزلت سورة براءة كتموا النفاق وما بقي يمكنهم من إظهاره أحيانا ما كان يمكنهم قبل ذلك وأنزل الله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا} {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} فلما توعدوا بالقتل إذا أظهروا النفاق كتموه".
وقال أيضا: "وقد تنازع الفقهاء في المنافق الزنديق الذي يكتم زندقته هل يرث ويورث؟ على قولين والصحيح أنه يرث ويورث وإن علم في الباطن أنه منافق كما كان الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم".
فهنا قد يستشكل البعض (كيف علمت أنه زنديق وهو يكتم)
فيقال الزندقة هي النفاق تُعلم بأمارات، والفقهاء لا يعلِّقون الحكم على أمر لا ينضبط لأنهم يخاطبون الناس بالعمل لا القضايا الذهنية المجردة، فعُلم أنه قد تُعرف زندقة إنسان ولا يثبت عليه التكفير القضائي، وهذا يحل إشكالات في ضبط كلام العلماء الذي يظنه البعض متناقضا إن أثبت الزندقة ثم نفى التكفير القضائي الحكمي (إذ هذا لو ثبت فلا ميراث).
وبقي أن يقال أنه من المؤسف أن يقع الكلام في بعض القضايا العلمية بما يتقاطع مع طريقة الحداثيين، وأن الغلو لا يبرر الميل للجفاء والعكس، بل الجفاء في الناس أعظم.
بين الموظفة والمغيَّبة!
تكلمت كثيرًا عن منظومة الوظيفة في زماننا، ويتكلم غيري كثيرًا عن إشكاليات الوظائف المختلطة.
وقد بدا لي إشكال يُطرَح على من يتحدث عن إمكانية وجود وظائف نسائية مختلطة بضوابط شرعية!
قال الترمذي في جامعه باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات
وقد أورد في باب آخر قول سفيان: «ولا تلجوا على المغيبات»، والمغيبة: المرأة التي يكون زوجها غائبًا، والمغيبات: جماعة المغيبة".
وقد ورد حديث ضعيف السند في النهي عن الدخول على المغيبات، وذلك أن هذا مظنة فتنة، زوجها غائب عنها ويدخل عليها رجل بدعوى الحاجة أو غيرها، وتبدأ خطوات الشيطان، فلا يكون ذلك إلا لضرورة.
ومع ضعف سند الخبر إلا أن البخاري استدل لمعناه من الأحاديث الصحيحة.
قال البخاري في صحيحه:
"باب: لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة
٥٢٣٢ - حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر : أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت».
٥٢٣٣ - حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان: حدثنا عمرو، عن أبي معبد، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم. فقام رجل فقال: يا رسول الله، امرأتي خرجت حاجّة واكتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا، قال: ارجع فحج مع امرأتك»".
أقول: وجه استدلال البخاري أن الدخول على المغيبة إما أن يكون بخلوة فهذا يَنهى عنه الحديث الأول، وإما أن يكون بغير خلوة مع تمكُّن منها إن أريد ذلك، فهذا يدل على النهي عنه الحديث الثاني، وهذا فقه دقيق.
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه «أن نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق -وهي تحته يومئذ- فرآهم فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ وقال: لم أر إلا خيرًا! فقال رسول الله ﷺ: إن الله قد برأها من ذلك. ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان».
وهذا إن كان الرجال عدولًا، وهذا في الدخول العارض عليها في بيتها وليس المحل الذي وإن لم تحصُل به خلوة فهي ممكَّنة إن أُريد ذلك.
وعليه كيف تُطبَّق أخبار المغيبة على الموظفة -إن كان زوجها غائبًا- خصوصًا في أزمنة تفشو فيها الفتن.
المراد من هذا الفصل أنه في زمن الصحابة حيث أطهر الناس قلوبًا روعي سد الذريعة، واليوم يراد فتحها مع كل ما نرى من بلاء.