كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الشتات القيَمي

المصدر
الشتات القيَمي من الأمور التي لا يعرفها كثيرون ممن يَدْعون إلى الاقتداء بالغرب أن الفلاسفة الغربيين في زماننا يشتكون من ضياع مفهوم (القيم)، وأنه لا يوجد ضابط لمعرفة الخير والفضيلة في ظلِّ الفردانية السائدة في الغرب. ومعرفة هذا الأمر مهمة جدًّا لنعرف أن هذا التقدم الذي يزعمه بعض الناس له ضريبة باهضة، ولا يخفى أن عدم معرفة معنى (الفضيلة) و (القيم) يؤدِّي إلى زوال الكثير من المعاني الأخلاقية ويؤدي إلى تعاسة شديدة تحت هذا الشتات. وهذا لا يشبه اختلاف الإسلاميين في التحسين والتقبيح العقليين، فهم في الغالب متفِقون على أن هذا صواب وهذا خطأ، ولكن يختلفون في طريقة كشفنا عن ذلك هل هي معقولة أم تأتي فقط من الشرع أم الشرع يكشف عن المعاني مع وجود أشياء معقولة. المسألة خطيرة جدًّا لأن الثقافة الغربية التي تُفرض على الناس لا تملك قيَمًا ثابتة أصلًا؛ وبالتالي هي شديدة التغيُّر؛ وبناءً على كل ذلك قراءة النصوص بناءً على هذه القيَم عمل خطير جدًّا. مشكلة القيم الغربية أنها ليست كما تظنها، فهي تضع لك عناوين كبيرة ولكن هذه العناوين كلُّ فرد يفهمها بطريقته لذا يحتاج الأمر تفصيلًا؛ فيؤدِّي ذلك إلى نزاع أكبر من ذلك الذي وَعدت العالمانية أن تزيله. جاء في مقال "نحو تقلب القيم" للفيلسوف جان جوزف غو وهو يحاول شرح هذه المعضلة: "إذا كنا نتساءل اليوم عن قيم مستقبلية، فهذا يعني أننا عزفنا عن الارتكاز على مسلَّمات ثابتة، وعلى معتقدات راسخة، وعلى قوانين الجمال والحق والخير المطلقة المحفورة بحروف لا تُمحى. إن هذا التشكيك -الذي يعتبر في الوقت نفسه مسؤولية ضخمة-، هو حديث العهد في تاريخ الحضارات. كان فولتير يقول «لا توجد إلا أخلاق واحدة، كما لا يوجد إلا علم هندسي واحد»، ولا نظن بأن كانط كان ليعارض هذه الفكرة. القيم في موضع الاتهام إذا كان عصر التنوير الذي لا نزال ندين له بأفضل ما لدينا، عصر إعادة النظر والاعتراضات والثورات، فإنه لم يكن عصر العدميات. ذاك أنه من وراء المظالم والقوانين السيئة والعلوم اللاهوتية التي حُوِّلت عن مجراها وأُفسِدت، كان فلاسفة أمثال فولتير وروسّو (Rousseau) يلمَحون أيضًا شمولية مستترة. فوراء الانحرافات الطارئة التي كانت تقوم بها المجتمعات السيئة، كان يوجد كما يظنون، قانونٌ كونيٌ وطبيعيٌ يرعى شؤون البشرية بأكملها منذ الأزل وإلى الأبد، وما علينا إلا استعادته من جديد سليمًا مشرقًا كما كان على الدوام، وتخليصه من انحرافات الطغيان والجهالة التي تشوِّه صورته". مختصر كلامه الذي قد لا يفهمه كثيرون أنه في عصر التنوير أُسْقِطت الصورة التقليدية للكنيسة والدين وعموم الأبويَّات وفقًا لمنظومةٍ أخلاقيةٍ متساميةٍ، بعدما أُسْقِطت هذه كلُّها اكتشفنا أن المنظومة الأخلاقية كانت تقف على هذه الأشياء أصلًا؛ فسقطت هذه المنظومة الأخلاقية أيضًا ووجَدنا أنفسنا نعيش في العدمية والعراء! هذا الخطأ الكبير الذي لا يزال يُكرِّره النقَّاد المتحمسون للتراث ككل أو لجزء من التراث يُخالف تلك القيَم الحداثية المحلِّقة التي لا ثبات لها أصلًا لأن الصورة الممكنة منها مصدرها الدين، والقدر الزائد على ذلك لا يمكن تطبيقه ولا حتى إيجاد أساس ثابت يُبنى عليه أو هو فتاك ومدمر. =