فنظر الله إليَّ فأماتها!
فنظر الله إليَّ فأماتها!
جاء في كتاب المجالسة للدينوري 2091 - حدثنا أحمد، نا أحمد بن علي، نا أحمد بن عمر البصري، عن خالد بن يزيد؛ قال: قال الحسن البصري: وقفت على بزاز بمكة أشتري منه ثوبا، فجعل يمدح ويحلف، فتركته وقلت: لا ينبغي الشراء من مثله، واشتريت من غيره، ثم حججت بعد ذلك بسنتين، فوقفت عليه، فلم أسمعه يمدح ولا يحلف. فقلت له: ألست الرجل الذي وقفت عليه منذ سنوات؟ قال: نعم. قلت له: وأي شيء أخرجك إلى ما أرى؟ ما أراك تمدح ولا تحلف! فقال: كانت لي امرأة إن جئتها بقليل نزرته، وإن جئتها بكثير قللته، فنظر الله إلي فأماتها، فتزوجت امرأة بعدها، فإذا أردتُ الغدو إلى السوق أخذت بمجامع ثيابي ثم قالت: يا فلان! اتق الله ولا تطعمنا إلا طيبا، إن جئتنا بقليل كثرناه، وإن لم تأتنا بشيء أعنَّاك بمغزلنا.
أقول: ملخص هذه القصة أن الحسن البصري وقف على بزاز (يعني رجل يبيع القماش) فوجده يحلف على سلعته ويمدحها بمبالغة فكَرِه حاله وابتعد عنه.
ثم جاء الحسن العام الذي يليه فوجد الرجل قد اختلفت حاله لا يحلف ولا يمدح، يبيع بسكينة ووقار، فسأله عن سبب تغيُّر حاله؟
فقال له إنه كان متزوجًا بامرأة ليست قنوعة وتُقلل من شأن ما يأتيها به وتضغط عليه؛ فأثَّر ذلك في سلوكه في البيع وأورثه الطمع والشره فكان يحلف (ولو بغير حق) لينفق سلعته ويمدحها حتى يأتي لزوجته بِمَا يرضيها ويريحه من لسانها.
ثم علَّق تعليقًا عجيبًا فقال: (فنظر الله إليَّ فأماتها) يعني رحمني الله فتوفاها!
ثم تزوج امرأة قنوعة تحثُّه على ألا يطعمهم إلا طيبا وتقول له حتى لو لم تربح سأُعينك بمغزلي (يعني تغزل وتبيع، وكان هذا عملًا مشهورًا في النساء الأول إذ يُحقِّقن مكسبًا مع الستر والوقار) فتغيَّر حاله في البيع والشراء.
حال هذا البزاز يشبه أحوال أناس كثير نعرفهم إنما يحمِله على كثير مما يُفسد دينه الضعفُ أمام زوجةٍ ليست بصالحة أو أبناء ما أحسنَ تنشئتَهم.
واليوم مع (الهوس الاستهلاكي) تضاعَف هذا المعنى في الناس، فعلى الرجل أن يتقي الله ويعظ أهله بالقناعة، وعلى المرأة أن تكون عونًا لزوجها على الصلاح، لا أن يكدح كدحًا حتى إذا جاءها بشيء قللته أو قارنته بغيره ممن هو أيسر حالا منه؛ فإن لذلك أثر سوء في القلب لا يعلمه إلا الله.
والدنيا ليست (ذكرًا) و (أنثى) فحسب بل أيضا (خالق) و (مخلوق) فلا ينظر المرء لحقوقه على الآخر ولا ينظر لواجباته له التي أوجبها الله، وليتَّقِ الله في الطرف الآخر ويرحمه فالراحمون يرحمهم الرحمن.