باب فيمن أدرك تناقضه فخجل
باب فيمن أدرك تناقضه فخجل
قال الذهبي في تاريخ الإسلام: "طاهر بن الحسين بن أحمد بن عبد الله.
أبو الوفا القوّاس البغدادي، الفقيه الحنبليّ الزّاهد، من أهل باب البصرة.
ولد سنة تسعين وثلاثمائة.
وسمع من: هلال الحفار، وأبي الحسين بن بِشْران، وأبي سهل محمود العُكْبريّ، وجماعة.
روى عنه: أبو محمد، وأبو القاسم ابنا السَّمَرْقَنديّ، وأبو البركات عبد الوهّاب الأنماطيّ، وعليّ بن طراد، وآخرون.
ذكره السّمعانيّ فقال: من أعيان فقهاء الحنابلة وزُهّادهم، أجَهَد نفسه في الطاعة والعبادة، واعتكف في بيت الله تعالى خمسين سنة. وكان يواصل ليله بنهاره. وكان قارئًا للقرآن، فقيها، ورعا، خشن العيش. كانت له حلقة بجامع المنصور.
قال عبد الوهّاب الأنْماطيّ: سأله رجلٌ في حلقته عن مسألةٍ، فقال: لا أجيبك حتّى تقوم وتخلع سراويلك وتتكشف. وكان قد رآه كذلك في الحمام.
فقال: هذا لا يمكن، وأنا أستحيي.
فقال: يا فلان، فهؤلاء بعينهم هم الذين رأوك في الحمّام بلا مِئْزر، إيش الفرق بين هنا وبين الحمام؟ فخجل".
أقول: شاهِدُ ذكري لترجمة القواس قصةُ الرجل الذي أخجله الشيخ.
هذا الرجل كان يكشف حتى عورته المغلظة في الحمام العمومي، وهذا كان يفعله كثير من الناس آنذاك وإن كان الناس ينظرون إليهم بحجة أنه حمام.
وقد ورد في السنة النهي عن دخول الحمام إلا بمئزر (يعني يستر العورة).
فلما سأل الشيخ عن مسألة قال له لا أجيبك حتى تكون على هيئتك التي أنت عليها في الحمام أمامي الآن، ما الفرق بيني وبين من يراك في الحمام؟ فخجل.
حال هذا الرجل الخجلان ذكَّرني بشخص كان يعمل في وظيفة مختلطة فذهب وزار بيت زميلته في العمل، فلما جلس عند والدها في مجلس الرجال قال له: ناد فلانة تجلس معنا، فغضب والد الفتاة من هذا الطلب، فقال له: هي تجلس معي كل يوم في العمل ساعات وأتحدث معها! فدخل الرجل الخجل (هذه قصة سمعتها من بعض الدعاة).
وبعض الناس ليتخلصوا من التناقض يزدادون شرًّا، فتصير المرأة تصاحب الرجال بلا نكير بحجة أنها تعمل معهم أيضًا.
وذكَّرني هذا الخبر بمقطع لأحد الدعاة كان يتكلم فيه عن عادة رقص النساء أمام الضيوف رجالًا ونساءً في الأفراح، وتجد المرأة وهي عروس بكامل زينتها ترقص أمام الناس.
فقال هذا الأخ: لو جئتك البيت وطلبت منك أن ترقص زوجتك أمامنا فستغضب، ولكنها فعلت في يوم الزفاف!
فسبحان الله كم من تناقض قبيح يقبع تحته كثير من الناس، ولو نبهوا له لخجلوا إن لم يتعلموا المماحكة والمكابرة.
وأحسن ما في هذه القصة عندي أن القواس نصح الرجل في غير موضوع سؤاله، وهذا يدل على أنه عالم رباني، لا يقف عند الأسئلة فحسب بل ينظر ما يضر الناس مما هو أهم من موضوع السؤال.
فكم من شخص يكون في مكان يفشو فيه الشرك وضلالات الإنسانويين والليبراليين والنسويات ثم يُعنَى بالحديث عن الفضائل أو يجيب أسئلة في المعاملات والعبادات (وهي مهمة جدًّا) ولكنه يهمل تنبيههم على ما يتلبسون به من إشكالات ولا يهتمون بالسؤال عنها لأنها صارت عندهم من المسلَّمات.