كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

التمكين ليس نهاية المطاف

المصدر
التمكين ليس نهاية المطاف قال تعالى : ( وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ) تأمل الآية يعد سبحانه المستقيمين على طريقة الإسلام بأن يسقيهم ماء غدقاً ثم المخيفة بعدها ( لنفنتهم فيه ) وهذا يخرج من قلبك كل ركون للدنيا تحت أي ظرف قال الطبري في تفسيره حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (لأسقيناهم ماء غدقا) قال: لو اتقوا لوسع عليهم في الرزق (لنفتنهم فيه) قال: لنبتليهم فيه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس (ماء غدقا) قال: عيشا رغدا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا) قال: الغدق الكثير: مال كثير (لنفتنهم فيه) لنختبرهم فيه. وعامة تفاسير السلف على هذا المعنى إذن التمكين ليس نهاية المطاف بل هو وسيلة ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ) وهذه الوسيلة بحد ذاتها ابتلاء وفتنة والفتن هناك من ينجو فيها وهناك من يهلك وعليه لا غنى للناس عن المجاهدة تحت كل ظرف حتى لو قهرنا الأعداء وحققنا ما نتخيله أو ما يحلم به كثيرون من الرفاه فإن في الأمر من الفتنة ما فيه إذ لا فردوس أرضي بل الفردوس في السماء حيث ( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين ) ومما جرى على معنى الآيات في السنة ما روى البخاري ومسلم من حديث عمرو بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم. وقد فقه عمر هذا المعنى قال معمر في جامعه [644]: عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قال: لما أتي عمر بكنوز كسرى، قال له عبد الله بن الأرقم الزهري: ألا تجعلها في بيت المال حتى تقسمها؟ قال: لا يظلها سقف حتى أمضيها. فأمر بها، فوضعت في صرح المسجد، فباتوا يحرسونها، فلما أصبح أمر بها فكشف عنها، فرأى فيها من الحمراء والبيضاء ما يكاد يتلألأ منه البصر. قال: فبكى عمر، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن كان هذا ليوم شكر، ويوم سرور، ويوم فرح.فقال عمر: كلا، إن هذا لم يعطه قوم إلا ألقي بينهم العداوة والبغضاء، ثم قال: أنكيل لهم بالصاع أم نحثو؟ فقال علي: بل احثوا لهم، ثم دعا حسن بن علي أول الناس فحثا له، ثم دعا حسينا ثم أعطى الناس. واليوم كثير من الناس بالحدية المعهودة إذا سمعوا مثل هذا الكلام ظنوا أنها دعوة للدروشة وترك طلب الطيبات في الدنيا وطلب النصر على الأعداء وهذا خطأ بل الأمر لضبط البوصلة وبيان أن التمكين سواء بمعناه القديم أو المعنى المطابق للحلم الأمريكي في أذهان كثيرين مجرد وسيلة ولا يساوي الفردوس الأرضي بل هو فتنة قد ينجو منها المرء وقد لا ينجو فيكون على حذر فالسراء والضراء كلها فيها مستوى من الفتنة بل إن طلبك التمكين وأنت تراه غاية الغايات من أعظم ما يعين عدوك عليك لأنك لا تتبع والحال هذه لأن عندك مرجح فوق الاتباع وهو كل ما تظنه مسرعا للتمكين وتكثر التقلب ويسهل تسلل الشهوات إلى قلبك قال تعالى : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة) وكان عبد الرحمن بن عوف يقول تواضعاً : ولكنا بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر. وفي هذا المعنى الحديث المرسل : إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتها فارس والروم، سلط الله بعضهم على بعض. فهذه الدنيا لا يوجد فيها غنم خالص ولا غرم خالص وإنما يصير الشيء غنماً بطاعة الله فإذا صبر المرء بالضراء جاء يوم القيامة مسروراً بصبره وإذا شكر في السراء وما أطغته وصبر على من حسده فكل ذي نعمة محسود جاء يوم القيامة مسروراً بذلك وما أضاع الناس وأدخل عليهم العلل النفسية وكثرة التقلب في أمر الدين والتحريف للدين إلا تضييع هذه المعاني الجليلة