كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

إنما نريد لهم الرحمة...

المصدر
إنما نريد لهم الرحمة... ماذا لو وجدت نصًّا يقول: من اعتقد كذا وكذا فهو آيس من رحمة الله. ثم وجدت بعض العلماء المحققين من أهل السنة ينصون على أن الفرقة الفلانية تعتقد هذا الاعتقاد أو نحوه أو شر منه. فوقع في نفسك إنقاذ من تستطيع إنقاذه منهم، وبدأت تتكلم في هذا وتنصح. فجاءك إنسان منتسب للسنة مثلك وقال لك: دعك من هذا البحث، ما الفائدة منه؟ نعم قولهم بدعة وخطأ ولكن ما الفائدة من إنكارك عليهم. فتقول: الفائدة أنني أطلب له رحمة الله فأُنقِذُه من هذا البلاء وأعِظُه وأبيِّن له بطلان ما هو عليه، كما نطمع في اليهودي والنصراني والمجوسي وغيرهم، فهذا أيضًا يتناوله وعيد، وحتى العذر إن زعمت وجوده فليس مطلوبًا بقاؤه، بل المطلوب زواله، لهذا نحن متعبدون بالدعوة. ولكن لمَّا كنت أنت وغيرك تأثَّرتم بمقاييس التقدم والتأخر التي وضعها من لا يؤمن بالله واليوم الآخر صرتم لا ترون بحثًا هامًّا إلا ما كان له متعلق سياسي واقتصادي واجتماعي، نَعم للدين كلمة في كل هذا، ولكن هناك آخرة ولها أحكامها، وإنقاذ إنسان من وعيدٍ ما خير من حمر النعم كما يقول نبيك. أرأيت لو أن يهوديًّا أو نصرانيًّا يعيش بين المسلمين ويدفع لهم الجزية ويشارك معهم في حروبهم وتأخذه لهم الحمية لنسب بينهم أو نحوه، هل ترى لهم ترك دعوته وقد حصَّلوا منه أتمَّ الفائدة الدنيوية؟ بالتأكيد لا، بل الرقيق وهم الرقيق وفيهم من المنفعة للمسلمين الشيء العظيم لمَّا جاء أمر الإعتاق خصوا أهل الإيمان منهم، مع أنه إذا أُعتِق قد تقل منفعته الدنيوية لهم. فيقول لك: إن شئت أن تدعوهم ادعهم، ولكن لا تقل لهم إن عقيدتكم تؤيسكم من رحمة الله أو غيرها من الألفاظ التي تبث الفرقة في الناس. فتقول له: هذه الألفاظ موجودة في نصوص، وتخويف المخالف ووعظه أسلوب قرآني، فالدعوة ترغيب وترهيب، والتسوية بين الترهيب والتنفير أسلوب من لا خلاق لهم من العالمانيين الدنيويين، وإذا كنت ترى ضررًا بالأحكام الشديدة فأنا أرى ضررًا في تهويناتك أيضًا. إذا فهمت ما مضى اقرأ معي قوله تعالى: {والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم} [العنكبوت] إذا علمت أن عامة العلماء من أهل السنة فسَّروا لقاء الله عز وجل برؤية الله عز وجل بالأبصار، وفيهم من حمل الوعيد في هذه الآيات على منكري الرؤية. قال ابن القيم في حادي الأرواح: "فاجمع بين قوله فإنكم سترون ربكم وقوله لمن ظن أنه غير ملاقيه فإني أنساك كما نسيتني وإجماع أهل اللغة على أن اللقاء المعاينة بالأبصار يحصل لك العلم بأن منكر الرؤية أحق بهذا الوعيد. ومن تراجم أهل السنة على هذا الحديث باب في الوعيد لمنكري الرؤية كما فعل شيخ الإسلام وغيره، وبالله التوفيق". فعلى كلام ابن القيم منكرو الرؤية يمكن أن يدخلوا في اليأس من رحمة الله، ولا شك فقد كفروا بأعظم النعيم، والله المستعان. وحقيقةً هم وقع منهم كفر بآيات الله، فأعلى آيات الله كلامه الذي بعثه للعباد، وهؤلاء قالوا: لا يتكلم وهذا الذي بين أيدينا خلق من خلقه خرج من بعض خلقه. وحتى الرحمة ما آمنوا بها على المعنى المعهود بين الناس، فعندهم الله لا تقوم به رحمة وإنما الرحمة أفعاله المتعدية أو مفعولاته (هي عندهم بمعنى واحد) التي يحصل بها الثواب والإنعام. وقال ابن تيمية في درء التعارض: "وهذا هو البحث المشهور بين المعتزلة والأشعرية، فلهذا صار الحذاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة فسروها بما تفسرها به المعتزلة، وقالوا: النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي". وقال في الصفدية: "والذين سلكوا مسلك المتفلسفة من أهل التصوف والكلام وأثبتوا لذة المعرفة بالله ولذة النظر إليه في الآخرة جعلوا ذلك هو نفس العلم بوجوده أو نحو ذلك، كما يذكر ذلك أبو حامد الغزالي ومن حذا حذوه، وقد سلك هذا المسلك أبو نصر الفارابي وغيره من الفلاسفة فأقروا بما أخبر به الرسول من رؤية الله في الآخرة وفسروا الرؤية بهذا المعنى الذي أثبتوه على أصولهم الفاسدة". وما ذكره ابن تيمية عن الغزالي هو ما صرح به في إحياء علوم الدين: "وأما وجه إجراء آية الرؤية على الظاهر فهو أنه غير مؤد إلى المحال، فإن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم". (وهذا تأويل واضح للرؤية إذ فسرها بالعلم لكي يخرج من المحالات بحسب دعواهم من إثبات العلو لله والوجه له سبحانه). فاجمع بين قول ابن القيم أن الوعيد الوارد فيمن لا يرجو لقاء الله منطبق على منكر رؤيته، وقول شيخه أن متأخري الأشعرية مالوا لهذا وأن الخلاف بينهم وبين المعتزلة صار لفظيًّا، مع اتفاق السلف على إثبات هذه الرؤية والتشنيع على المخالف تفهم عظيم خطر هذا البحث وعظيم جناية المهوِّنين من شأنه، وتعلم أن من يشتد في البحث أرحم بهم ممن يهوِّن من شأنه لأنه يطلب لهم الرحمة حقيقةً. ولو أن إنسانًا أنكر الطعام والشرب في الجنة وجعلها مجرد لذات معنوية هل سيتركه الناس؟ وهل سيستهينون بجنايته على الدين؟