=
=
وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له طلبة العلم وهو أن عدداً من المصنفين في التواريخ والأدب واللغة يكون عندهم نزعات من التشيع والاعتزال وغيرها ولهم دسائس خفية ينبغي التنبه لها ولا يعين على ذلك مثل القراءة في كتب الفن بتسلسل تاريخي من الأقدم إلى الأحدث مع دراسة العقيدة جيدا
والذي ينبغي أن يعلم أن المشتغلين بالعلوم على مراتب.
الأولى : مرتبة الرواية وهذه يشترط فيها العدالة والضبط وغيرها من الأمور المعلومة عند أهل الحديث وهذا يحتاج إليه في مصنفات أهل الحديث الأولى في شأن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والحاجة إلى أمر الرواية تضعف كلما تقدمنا في الزمان ففي الغالب يحتاج إليها في نقل مذاهب بعض العلماء وأغلب ما يحتاج إليه في نقل الإجماعات وعادة ما يكون الإجماع هناك ما يدل عليه غير نص العالم ولكن نص العالم يقرب الأمر جداً
الثانية : مرتبة التصنيف
الثالثة : مرتبة التهذيب والاختصار والاستدراك والجمع بين المصنفات المختلفة والترتيب وهذه غالب مؤلفات المتأخرين
الرابعة : مرتبة التحقيق وبيان الصواب والخطأ من الأقوال والمنقولات والاستنباط وهذه هي منزلة المحققين في كل زمان وهم قلة وهؤلاء منهم أئمة الفقه الذين يعتد بهم في الإجماع والخلاف وأئمة الجرح والتعديل وأصحاب المدونات العقدية الكبرى
وغالباً ما يكون الذين وقفوا عند المرتبة الثالثة هم أشهر بين العوام والمبتدئين أو يظنون أن منزلتهم مثل منزلة من وصل إلى المرتبة الرابعة خصوصاً وأن العوام والمبتدئين ينتشر بينهم الشيء بحسب سهولته وترتيبه في الغالب وإن لم يبلغ درجة كبيرة في التحقيق وقد يفضل ذلك أيضاً كثير من المدرسين لأن المقصود تعويد الناس على ممارسة العلم لا الوصول إلى أعلى درجات التحقيق
وأما من سار في طريق العلم فهو يعرف منزلة من وصلوا إلى الرتبة الرابعة وحقيقة أصحاب المرتبة الثالثة خصوصاً إذا كان كلامهم خلواً من التحقيق وفيه خلط كثير فهو يرجح مصلحة حماية المبتدئين على مصلحة التسهيل والتقريب والتي يمكن تعويضها وينصح المتمكن فقط بمطالعة بعض المصنفات التي فيها جمع وترتيب ولكن دون تحقيق
ثم إن فقدان التحقيق يتفاوت أثره السيء فقد يكون عظيماً جداً بإدخالات كلامية فاسدة وقد يكون الأثر أضعف بنشر معلومات تاريخية مغلوطة أو أقوال شاذة وضعيفة في أي فن من الفنون وفي كل واحدة يقدر المعلم ما الذي ينصح به المتعلم وكيف يرجح بين المصالح والمفاسد وإذا كان الأثر السيء ضعيفاً فإنه ينبه عليه بقدره وينصح بالكتاب.