باب في الشدة على الشعراء إذا استهانوا بالثوابت الشرعية
باب في الشدة على الشعراء إذا استهانوا بالثوابت الشرعية
يهون كثير من الناس من شأن ما يرد في الشعر من مخالفات شرعية بحجة أن الأدب لا سقف له والأديب ينبغي ألا يكون مؤدباً وأن الكلام يجري مجرى الاستعارة إلى آخر هذا الكلام العجيب حتى صار الشعر باباً من أبواب الترويج للاستهانة بالثوابت الشرعية عن طريق ذكرها في سياقات تهون من شانها عند مقارنتها ببعض ما في الدنيا
وهنا سأذكر ما وقفت عليه من إنكار أهل العلم على أبيات لشعراء جرت في هذا الميدان
قال ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء :" وممّا كفر فيه أو قارب قوله:
تعللّل بالمنى إذ أنت حىّ ... وبعد الموت من لبن وخمر
حياة ثم موت ثم بعث ... حديث خرافة يا أمّ عمرو
1476* وقوله فى محمّد الأمين:
تنازع الأحمدان الشّبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قدّ الشّراكان
مثلان لا فرق فى المعقول بينهما ... معناهما واحد والعدّة اثنان ( يعني أنه شبه محمد الأمين بالنبي صلى الله عليه وسلم من كل وجه )
* وقوله فى غلام:
نتيج أنوار سمائيّة ... حليف تقديس وتطهير
يكلّ عن إدراك تحد يده ... عيون أوهام الضّمائير
فتّ مدى وصفى، ولكنّ ذا ... ، تفديك نفسى، جهد مقدورى
وكيف أحكى وصف من جلّ أن ... يحكيه عند الوصف تدبيرى
إلا بما تخبر أمشاجه ... من كامن فيهنّ مستور"
إلى أن قال ابن قتيبة :" وقال له الرشيد: ابن الّلخناء، أنت المستخفّ بعصى موسى نبى الله! إذ تقول:
فإن يك باقى سحر فرعون فيكم ... فإنّ عصى موسى بكفّ خصيب! »
وقال لإبراهيم بن عثمان بن نهيك: لا يأوى إلى عسكرى من ليلته"
وقال ابن حجر في لسان الميزان :" ومن طريق محمد بن أبي العتاهية قال لما قال أبي في عتبة.
يا رب لو أنسيتنيها بما في جنة ... الفردوس لم أنسها
شنع عليه منصور بن عمار بالزندقة وقال متهاون بالجنة هذا التهاون وذكر له شيئا آخر قال فلقي أبي من العامة بلاء"
أقول : ما أحوجنا اليوم إلى مثل منصور بن عمار وإلى هؤلاء العامة إذ أن الإفراط في الإعذار بلغ من من ديننا المبلغ حتى تركه أرق من ثوب سابري لا يهاب حدوده أحد
وقال ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة المتنبي :" ومنها قوله:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره
وقد بلغني عن شيخنا العلامة أبي العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله – أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة، ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله عز وجل.
وأخبرني العلامة شمس الدين بن القيم - رحمه الله - أنه سمع الشيخ يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود"
وفِي تاريخ الطبري : "وذكر عن أبي الورد السبعي أنه قال: كنت عند الفضل بن سهل بخراسان، فذكر الأمين، فقال: كيف لا يستحل قتال محمد وشاعره يقول في مجلسه:
ألا سقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
قال: فبلغت القصة محمدا، فأمر الفضل بن الربيع فأخذ أبا نواس فحبسه"