فلسفة الوثنية...
فلسفة الوثنية...
عبادة الأوثان أو الأجرام السماوية قد يظن كثيرون أنها ممارساتٌ بدائيةٌ خاصةٌ بأناس عاشوا في أزمنة تردَّى فيها الفكر.
وهذه المقدمة هي التي جعلت بعض الباحثين في الأديان يفسِّرون عبادتهم للشمس مثلًا بتفسيرات ساذجة مثل دعوى أنهم لمَّا كانوا عاجزين عن تفسير الظواهر الطبيعية عبدوها أو عظَّموا الأجرام الكبرى لظنهم أنها مسئولة عن كل ذلك.
وتناسى أصحاب هذا التفسير أن الظواهر المتكررة يفقد المرء اندهاشه منها بمجرد تكرُّرِها عليه، وأن كثيرًا مما يسمونه "حضارات" كان أهلها وثنيين مع تقدمهم في العلوم التجريبية والصناعات.
في الواقع عبادة الكواكب خصوصًا لها أصول فلسفية عميقة لا تختلف عن أي ضلال يعتقده البشر اليوم وهو خلاف الوحي.
قف على سبيل المثال عند سؤال: لماذا يعبدون الشمس أو الأوثان مع عدم اعتقادهم بوجود يوم آخر؟
الأمر باختصار كان انحرافًا أو تشوُّهًا في معانٍ فطرية سليمة، وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: شعر الإنسان بخصوصية وجوده البشري، بمعنى أنه رأى أن في وجوده معنى زائدًا على وجود الكائنات الأخرى كالحيوانات والنباتات.
هذا المعنى لا يسلِّم به الإلحاد الحديث المبني على الداروينية، ولكن عامة المنظومات القانونية والأخلاقية التي يتبنُّونها تُقرُّ بهذه الحقيقة، لهذا قتل كلب ليس مثل قتل إنسان.
وتفرَّع على هذا المعنى عدة اعتبارات أخلاقية.
وعامة التفسيرات الداروينية لهذه المعاني فيها دور، بمعنى أنها تُفسِّر بالماء بالماء ولكن مع التفاف لفظي.
ثانيًا: شعر الإنسان أن أصل وجوده في هذا الكون واستمراريته فيه مدينٌ لعوامل أخرى، فهو يستشعر نقصه ويستشعر أن ليست كل النعم التي هو فيها من كسبه، مهما كابر فهو يشعر في قرارة نفسه بهذا المعنى.
ويتأكد هذا المعتى في المواقف الشديدة، لذا من أهم الفروق بين العبد الصالح والعبد الطالح أن الصالح يستحضر هذا المعنى في غالب أحيانه فيؤدي، وأما الطالح فيستحضره في الملمَّات فحسب لأن دوام النعمة أفقده الشعور بها.
ولهذا نحن نقرأ في الفاتحة في كل صلاة "الحمد لله رب العالمين" حتى لا يكون دوام النعمة سببًا في فقدان الشعور بها.
ولهذا تجد حتى الملحد يعظِّم العلم التجريبي مثلًا، فإن قلت له: لماذا تعظِّمه؟
يقول لك: لأنه سهَّل حياة البشر أو أنقذ حياة الناس.
فلا زالت فكرة (شكر المنعم) مسيطرة على الجميع.
ثالثًا: احتاج الانسان إلى أن يعيش الفكرتين السابقتين (وكلاهما له أصل فطري).
فجاء الشيطان إلى أصلين في قلوب البشر وحرَّفهما.
الأصل الأول: الطمع في النعيم الكامل أو التشوُّف للثواب، فصوَّر للبشر أن هذه الحياة الدنيا هي دار الثواب والعقاب وأوقع عليهم الشبهات في وجود آخرة.
الأصل الثاني: الطمع في رؤية الإله المعبود، وتلك فطرة في البشر ولكن ذلك سيكون في الجنة، فجعلهم يستعجلون هذا الثواب في الدنيا كما استعجلوا غيره فعبدوا أمورًا يرونها من أشجار وأحجار وكواكب.
وعظَّم في قلوبهم شهوات تخالف نواميس الأنبياء حتى تصير نفوسهم متمنية لعدم وجود آخرة وتتطلب الشبهات لتكذيب الأنبياء، وما بهم من فطرة أشبعوه من خلال تلك الصور المشوَّهة لنواتج الفطرة.
إذا فهمت ما سبق تعلم أن الوثنية لا تختلف عن عامة الفلسفات الموجودة اليوم بل تتقاطع معها في طريقة تكوُّنها ولكن النواتج تختلف شكليًّا.
وتأمَّل بعد هذا قول الهدهد: {وجدتها وقومَها يسجدون للشمس من دون الله وزَيَّن لهم الشيطان أعمالهم فصَدَّهم عن السبيل فهم لا يهتدون} [النمل]
فذكر الهدهد كون الشمس ضمن عملية أكبر متكاملة، فهي فيها من النقص نحو ما تستشعرون من أنفسكم، فلا من إله كامل يدبر هذا كله.
ثم قال "رب العرش العظيم" إشارة إلى أن الله عز وجل له وجود حقيقي في الخارج وذلك بذكر عرشه، وهذا يعني أنه يمكن أن يُرى، وما دمنا لا نراه هنا وأودعت فيها هذه الفطرة فهناك يوم لهذا الأمر، فإذا أضفنا لذلك ما فينا من وازع أخلاقي وغائية علمنا صدق الأنبياء.
والهدهد علم أنهم إنما يعظِّمون الشمس لما يرون من نفعها، فذكَّرهم أن نعمة الله أعظم، بل الشمس من ضمن نعمه، وهذا ما يقال للملحد إن عظَّم الغرب أو البحث التجريبي.
ولهذا كان كتاب سليمان: "بسم الله الرحمن الرحيم"، أي أن ما تعبدون تعظيمًا لنفعه إنما هو من مظاهر رحمة الله عز وجل.
وهذه الكلمة لها مناسبتها، فعيد رأس السنة الذي احتُفِل به بالأمس هو عيد وثني لعُبَّاد الشمس كانوا يسمونه عيد الشمس التي لا تقهر.
وهنا تنبيه : الأصل في الناس التوحيد والشرك دخل عليهم لاحقاً وأصل دخول الشرك على الناس تعظيم الصالحين كما في قوم نوح غير أن أمر تولدت له أبعاده الفلسفية لاحقاً.