صفحات من صراع الأشاعرة مع الحنابلة..
صفحات من صراع الأشاعرة مع الحنابلة..
هناك عدة دعاوى فاشية في الناس وتحتاج إلى فحص مثل:
•الدعوى الفاشية بين متأخري الأشاعرة والماتردية من أن هناك انسجاماً بين المذاهب الكلامية في الاعتقاد والمذاهب الفقهية الأربعة المشهورة، والطرق الصوفية.
•ودعوى أن الحنابلة والأشاعرة كانوا على وفاق وائتلاف، أو أن الخلاف بينهم كالخلاف في الفقهيات، والمسألة وجهات نظر وخلاف تنوع.
•أو دعوى أن الخلاف بينهم حقيقي ولكنه لم يكن يؤثر على المعاملات بين الفريقين، فكان هناك خلاف عقدي نعم ولكن مع التآلف العام وحفظ الأقدار وما سوى ذلك شذوذ تاريخي لا يعتد به.
معلوم أن الإمام أحمد جلد في المحنة المشهورة، ويعرف كثير من الدارسين موقف الإمام أحمد من اللفظية والذين اعتبرهم امتداداً للجهمية الذين جلدوه، ثم ظهر ابن كلاب وكان أحمد شديداً عليه كما قال ابن خزيمة، حيث قال ابن كلاب بالكلام النفسي وأن الله لا يتكلم بحرف وصوت، هذه المقالة ورثها الأشاعرة وورث الحنابلة إنكار إمامهم لذا كان الصراع بين الفريقين أمراً ليس مستغرباً البتة، ثم زاد متأخري الأشاعرة أن مالوا لإنكار صفات كان يثبتها ابن كلاب فأوجب ذلك ازدياد الإنكار.
وهنا سأذكر عدة مواقف بين الأشاعرة والحنابلة مرت معي من خلال قراءتي في كتب التواريخ بعيداً عن التأصيلات التي في كتب العقيدة أو كتب الفقه مع فوائد جانبية.
الموقف الأول:
قال الذهبي في تاريخ الإسلام (12/270): "49 - أبو الفضائل بن شُقران البغدادي [المتوفى: 561 هـ]
قال ابن الجوزي: كان في مبدأ أمره يتتلمذ لأبي العزّ الواعظ، ثمّ صار فقيهًا، ثمّ صار معيدا بالنّظاميَّة، ووعظ، وأخذ ينصر مذهب أبي الحسن الأشعري ويبالغ، فتقدّم الوزير ابن هبيرة بمنعه، فأُنزل عن المنبر يوم جلوسه، ثمّ ترك الوعظ، وأقام برباط بهروز مدَّة. وتوفي في صفر.
وهو أحمد المذكور في أول السنة".
هنا الوزير ابن هبيرة الحنبلي يسعى بمنع واعظ من الوعظ لأنه ينصر مذهب الأشعري.
الموقف الثاني:
قال الذهبي في تاريخ الإسلام (12/ 299): "109 - عبد الرحيم بن رستم، أبو الفضائل الزنجاني الفقيه الشافعي. [المتوفى: 563 هـ]
تفقه ببغداد على أبي منصور سعيد ابن الرزاز، وقدم دمشق، ودرس بالمجاهدية ثمّ بالغزالية، ثم ولي قضاء بعلبك، ولم يزل بها حتى قتل شهيدًا.
قال ابن عساكر: كان عالمًا بالمذهب والأصول وعلوم القرآن، شديدًا على المخالفين، يعني الحنابلة، وله شعر جيّد، قُتل ببعلبك في ربيع الآخر، وحمل إلى دمشق فدفن بها".
هنا الذهبي يرى أن ابن عساكر الأشعري إذا أطلق المخالفين فهو يريد الحنابلة وهو يمدح الشدة عليهم.
الموقف الثالث:
قال الذهبي في تاريخ الإسلام (11/198): "80 - محمد بن عتيق أبي بكر بن محمد بن أبي نصر، أبو عبد الله التميمي القيرواني الأشعري المتكلم، ويعرف بابن أبي كُدَيَّة. [المتوفى: 512 هـ]
درس الأصول بالقيروان على أبي عبد الله الحسين بن حاتم الأزدي صاحب ابن الباقلاني".
فهذا تلميذ تلميذ الباقلاني.
قال السلفي في معجمه: "كان مشارًا إليه في علم الكلام، وقال لي: أنا أدرّس علم الكلام من سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة، وكان مقدما على نظرائه، مبجلًا عند من ينتحل مذهبه، مجانبًا عند مخالفيه، جرت بينه وبين الحنابلة فتن، وأُوذي غاية الإيذاء".
فهذا أشعري شهير أوذي من الحنابلة جداً لأشعريته.
الموقف الرابع:
في ترجمة محمد بن أحمد بن علي بن شكرويه، القاضي أبو منصور الأصبهاني. [المتوفى: 482 هـ]
يقول الذهبي: "وقال السمعاني: سألت أبا سعد البغدادي، عن أبي منصور بن شكرويه، فقال: كان أشعريا، لا يسلم علينا ولا نسلم عليه، ولكنّه كان صحيح السّماع".
الموقف الخامس:
في ترجمة 231 - أحمد بن محمد بن الحسن بن فورك، أبو بكر الزهري النيسابوري [المتوفى: 478 هـ]
سبط الأستاذ أبي بكر بن فورك.
نقل الذهبي قول ابن ناصر السلامي الحنبلي: "كان داعيةً إلى البدعة، يأخذ مكس الفحم من الحدادين".
قال ابن حجر في لسان الميزان: "قول ابن ناصر يريد به أنه كان أشعريا".
الموقف السادس:
قال ابن قدامة في رده على ابن عقيل ص18: "ولقد كنت أعجب من الأئمة من أصحابنا الذين كفروه وأهدروا دمه وأفتوا بإباحة قتله وحكموا بزندقته قبل توبته، ولم أدر أي شيء أوجب هذا في حقه وما الذي اقتضى أن يبالغوا فيه هذه المبالغة حتى وقفت على هذه الفضيحة".
أقول: الذي صدر من ابن عقيل هو نحو ما صدر من متأخري الأشعرية، وإذا كانت هذه شدتهم على فقيه حنبلي ناصر للمذهب مع سعة علم وتفنن فما عسى أن يقولوا في الأشعرية.
=