سر اقتران الإذن بالتحديث عن بني إسرائيل بالنهي عن الكذب على النبي ﷺ.
سر اقتران الإذن بالتحديث عن بني إسرائيل بالنهي عن الكذب على النبي ﷺ.
قال البخاري في صحيحه 3461 - حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، أخبرنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي كبشة، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار».
أقول: هذا الحديث يرسم منهجية علمية دقيقة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أذن بالتحديث عن بني إسرائيل، ومعلوم أنه لا يأذن إلا بما لا يخالف الوحي ولم يقطع بكذبه، ولكن هذا الإذن لم يأتِ خاليًا من الاقتران بما يسد ما قد يدخل هذا الباب من شر.
فإن من الناس من قد يُعنى بما عند بني إسرائيل أو أي علم يراه حسنًا عند غير المسلمين أو غير أهل السنة ويتوسع في ذلك حتى يهمل ما عند أهل الحق! ويكون في ذلك دخائل نفسية منها حب التميز وغير ذلك.
فجاء في الحديث ما يقطع هذا، فقبل الإذن بالتحديث عن بني إسرائيل قال: "بلغوا عني ولو آية"، فدل على أن الأصل بالبلاغ ما عند أهل الحق.
ثم بعد الإذن جاء قوله: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، والنهي عن الكذب في المبنى يتضمن النهي عن الكذب في المعنى أيضًا، بمعنى أن الكذاب سبب ذم فعله أنه سيدخل في الدين ما ليس منه.
ومثله المبتدع الذي يدخل في الدين ما ليس منه وإن لم ينسبه لحديث فالمعنى واحد.
وعادة ما يكون الإحداث بسبب التأثر بثقافة دخيلة، فجاء التحذير من هذا لكي لا يكون مجرد الإذن بالأخذ عن بني إسرائيل بابًا للتأثر بهم وحمل النصوص على أفهامهم التي لم تدل الأدلة أو القرائن على صوابها.
فهذه المنهجية الصحيحة في الانتفاع بما عند الآخرين من خير:
أن يكون ذلك معروضًا على ما عندنا من ثوابت، وألا يشغلنا ذلك عن الدعوة لما عندنا بل الذي عندنا هو الأصل الذي ندعو إليه، والأمر الأهم أن نكون على حذر من أن نخلط ما عندهم بما عندنا من الوحي (حتى أن الصحابة الذين قيل عنهم أنهم يروون عن بني إسرائيل بغض النظر عن دقة الدعوى عامتهم من فقهاء الصحابة المكثرين من الحديث).
والعجيب أن كثيرًا من الناس يظنون أن السلف ما استطاعوا تطبيق هذه الوصية بشكل جيد (وهذا في حقيقته اتهام للأمر نفسه أنه غير ممكن التطبيق في القرون الفاضلة)، وأنهم توسعوا برواية الإسرائيليات الباطلة، والواقع أن كثيرًا مما يُزعم أنه إسرائيليات لا يوجد دليل على ذلك، وعامة ما يستنكرونه من الثابت منها ليس محل استنكار أصلًا، وقد بسطت هذا في غير هذا الموطن.
غير أن الذي نراه من كثير من الناس اليوم أنهم انفتحوا على ثقافة الآخرين متوسعين في ذلك غاية التوسع مع الضعف في العلم الشرعي حتى صار ما يعرفونه من النصوص يحاكَم لثقافة الآخرين، بل بنيت منهجيات كاملة تقرأ الإسلام من أوله إلى آخره وفقًا لنظريات وضعها من لا يؤمن بالله واليوم الآخر (وهذا يختلف عن الوارد عن بني إسرائيل الذي فيه شبهة وحي)، فرموا السلف بشيء وكانوا هم أولى بما رموهم به.
وإهمال هذه المنهجية جرَّ على الأمة ويلات والله المستعان.