كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل تُستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التلبية للحاج؟ (متى يحتج بأثر

المصدر
هل تُستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التلبية للحاج؟ (متى يحتج بأثر التابعي؟ ومتى يحتج بالراوي الضعيف؟) مِن أكثر المسائل التي تُشكِل على طلبة العلم الحالات الاستثنائية التي يصير فيها ما ليس حجة داخلًا في حيز الحجية. فالراوي الضعيف الأصل أن يُدفَع خبره، غير أن هناك حالات يُحتجُّ فيها بالضعيف، وقد كتبت مقالًا في بيان أن الأخبار الموقوفة لا تُعامَل كما تُعامَل الأخبار المرفوعة (يعني يحتج في الموقوفات بما لا يحتج بالمرفوعات). وكتبت مقالًا في فقه التابعي الكبير وبيان متى يُستفاد حكمٌ فقهيٌّ من هذه الآثار. فهنا مسألة تصلح تطبيقًا عمليًّا للمسألتين (الاحتجاج بالضعيف في الموقوفات والمقطوعات والاحتجاج بأثر التابعي في الفقه إن كان يدل على عمل الناس في زمن الصحابة). قال الدارقطني في سننه: "2507 - حدثنا محمد بن مخلد، ثنا علي بن زكريا التمار، نا يعقوب بن حميد، نا عبد الله بن عبد الله الأموي، قال: سمعت صالح بن محمد بن زائدة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله تعالى مغفرته ورضوانه واستعاذ برحمته من النار». قال صالح: سمعت القاسم بن محمد، يقول: «كان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم»". قال الإمام الشافعي في الأم (2/171): "استحب إذا سلم المصلي أن يلبي ثلاثًا واستحب إذا فرغ من التلبية أن يتبعها الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ويسأل الله جل ثناؤه رضاه والجنة والتعوذ من النار". ثم بعد كلام قال: "أخبرنا إبراهيم بن محمد أن القاسم بن محمد كان يأمر إذا فرغ من التلبية أن يصلي على محمد النبي -صلى الله عليه وسلم-". قال ابن تيمية في شرح عمدة الفقه: "وإذا فرغ من التلبية، فقال أصحابنا: يستحب أن يصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم- ويدعو بما أحب من خير الدنيا والآخرة. قال القاضي: إذا فرغ من الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- أحببنا له أن يسأل الله رضوانه والجنة ويستعيذ برحمته من النار. وذلك لما روي عن القاسم بن محمد قال: "كان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبية أن يصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم-" رواه الدارقطني". وعادة يعترض جماعة من الناس على هذا الحكم اعتراضين: الأول: أن السند إلى القاسم ضعيف، فالراوي عنه صالح بن محمد بن زائدة ضعيف، وربما قالوا إن أحمد احتج بخبره لأنه كان يعدله وأما بقية الناس فيضعفونه، وأشار إلى هذا الاعتراض ضمنًا النووي في المجموع لمَّا تكلم عن ضعف صالح بعد ذكره الخبر (وأما اللفظ الذي أورده الشافعي فمن طريق شيخه الأسلمي وهو هالك عامةُ الناس على تكذيبه، فحال صالح أمثل منه بكثير). الثاني: أن الأمر مجرد أثر تابعي وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأثر التابعي ليس حجة. والجواب عن الاعتراض الأول أن الراوي الضعيف إذا روى شيئًا عن شيخه مباشرة فإنه يُتسامح به ما لم يروِ منكرًا. قال صالح بن الإمام أحمد في سيرة أبيه ص127: "واجتمعت عليه أوجاع الحصر وغير ذلك ولم يزل عقله ثابتا وهو في خلال ذلك يقول كم اليوم في الشهر فأخبره وكنت أنام بالليل إلى جنبه فإذا أراد حاجة حركني فأناوله، وقال لي جئني بالكتاب الذي فيه حديث ابن إدريس عن ليث عن طاووس أنه كان يكره الأنين فقرأته عليه فلم يئن إلا في الليلة التي توفي فيها". وليث بن أبي سليم ضعيف ولكن الإمام أحمد احتمله في هذا، وكذا احتجوا بروايته عن مجاهد في التفسير. وقال الخلال في الوقوف والترجل: "149- فَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَرَى أَنْ يُدْفَنَ. كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْفِنُ شَعْرَهُ إِذَا حَلَقَهُ". يقول أحمد هذا مع أن الأثر مروي عن ابن عمر من حديث عبد الله العمري عن نافع عنه، وعبد الله العمري المكبر ضعيف ولكنه يُحتمل في الموقوف عن ابن عمر، لذا روى عبد الرحمن بن مهدي مع انتقائه بعض الأخبار الموقوفة عن ابن عمر من طريق عبد الله العمري منها هذا الخبر. وهناك أمثلة كثيرة، أكتفي بهذا. وأما الاعتراض بكون القاسم بن محمد تابعيًّا فهو لا يحكي قوله هو وإنما يقول: "كان يُستحب" فهو يحكي ما أدرك عليه الصحابة الكرام، وهو كان ملازمًا لعائشة عمته، وعامة شيوخه من الصحابة، وهو حفيد الصديق وأحد فقهاء المدينة السبعة، لذا يعرف من أين يأخذ الاستحباب، ولم ينكر عليه أحد. قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: "وأنت ترى عامة كلام أحمد إنما يثبت الرخصة بالأثر عن عمر، أو بفعل خالد بن معدان ليثبت بذلك أن ذلك كان يفعل على عهد السلف، ويقرون عليه، فيكون من هدي المسلمين، لا من هدي الأعاجم وأهل الكتاب، فهذا هو وجه الحجة، لا أن مجرد فعل خالد بن معدان حجة". وأثر القاسم أقوى في الدلالة من أثر خالد لكون القاسم أشهر وألزم للحرمين وألصق بالصحابة مع تنصيصه على الاستحباب وقوله "كان يُستحب" بالمبني للمجهول فهو يرفع الأمر إلى غيره ولا يذكره من رأيه. أحياك مرة فلِم تشك في الثانية والثالثة؟ في آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله عز وجل تُفتتح باسم الله {الحي}. وهذا الاسم له تعلق بالمطالب الثلاثة الكبرى: الإلهيات والنبوات والمعاد، ويظهر ذلك من الآيات التي جاءت بعد آية الكرسي. فأما تعلق هذا الاسم بمبحث الإلهيات فواضح وأنه سبحانه الحي والذي منح عباده الحياة، فمانح الكمال أولى به، فنحن كنا موتى (جمادات) فأحيانا. قال تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يُميتكم ثم يُحييكم ثم إليه ترجعون} وهذا يبين لك أن الاشتراك بين الخالق والمخلوق في معنى لا يفيد التشابه كما يظن الجهمية، فالله منح عباده الحياة وهو الحي، وحياة الخالق غير حياة المخلوق، وكلاهما يقابل الموت، وكذا قُل هذا في عموم الصفات. وهذا الضرب من الإحياء يؤمن به عامة بني آدم، فحتى الملاحدة تراهم حائرين في أصل الحياة، ويصفونه باللغز. وهذا الإحياء يدل على الإحياء الثاني وهو النبوات حياة القلوب {أوَمَن كان ميتاً فأحييناه} يعني كان كافراً فهديناه، ولهذا سمَّى الله عز وجل الوحي روحاً، لأن به حياة القلوب، وكذلك قوله تعالى: {يُخرِج الحي من الميت} يعني المؤمن مِن الكافر. فالكفار أقرُّوا بالإحياء الأول وجحدوا الإحياء الثاني، ولا فرق بينهما، لهذا قيل لهم {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم}. ولهذا الآية التي تلي الكرسي {اللهُ وليُّ الذين آمنوا يُخرجهم من الظلمات إلى النور} يعني يحييهم بالإيمان بعد مواتهم بالكفر. وأما الإحياء الثالث فهو البعث، هو الذي خلاصة الإلهيات والنبوات، فالمعاد يحاسَب الناس فيه على ما أجابوا به المرسلين، يعني حالهم مع الإلهيات والنبوات. ولهذا الآيات بعد آية {اللهُ وليُّ الذين آمنوا يخرجهم} عامتها تتكلم عن البعث والإحياء والإماتة من قصة إبراهيم مع النمرود، وقصة عزير، وقول إبراهيم أرني كيف تحيي الموتى. فتأمل هذا! وقوله تعالى: {القيوم} فيه معاني قيامه على عباده بما يتم مصالح هذه الإحياءات، وجاءت الآيات بعد قصة إبراهيم مع الطير تتكلم عن الصدقة، وذلك أن تارك الصدقة كمَن آمن بالرزق الأول، ثم تشكَّك في الرزق الثاني، الذي يأتي بعد الصدقة.