كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

أنا أحسن من غيري أو حالي هذه أحسن من حالتي السابقة ..

المصدر
أنا أحسن من غيري أو حالي هذه أحسن من حالتي السابقة .. مِن الأمور التي ينبغي أن ينتبه إليها الدعاة والمربون ( وأحسب أن كثيراً منهم لاحظ ذلك ) أنك ربما وجدت شاباً مسلماً يحب اتقاء الذنوب ومع ذلك تجده مستروحاً لمتابعة المسرحيات على سبيل المثال أو حتى الأفلام ولا يتحسس كثيراً مما فيها من المنكرات فضلاً عن كرة القدم ونظائرها والسبب في ذلك أنه ربما وقع في شراك الإباحية ورأى في هذه الأمور بديلاً مخففاً يريحه من تلك المعصية الشديدة التي أتلفت ذهنه وأفسدت عليه أحواله ، أو أنه رأى من ابتلي بهذا فرأى نفسه في حال أحسن من ذاك المبتلى ومثل هذا الحال مشكل فعليك اتقاء عدة أمور الأول : اتقاء أن تفهمه أن المعصية المخففة التي يفعلها هي بنفس منزلة المعصية الشديدة فإن ذلك قد يجعله يعود للمعصية الشديدة من باب القنوط الثاني : اتقاء أن تجعله يستروح للبقاء على هذه المعصية المخففة دائماً بل تشجعه على أن يتحسن ويقلع عن كل ذلك وإن كانت حالته هذه أحسن من حالته السابقة الثالث : أن ترشده إلى طريق التخلص من المعاصي الثقيلة عن طريق الطاعات لا المعاصي المخففة أو الأمور المشتبهة والسبب في كون كثير ممن فيه خير يتجه للمعاصي المخففة ظنه أن طريق الطاعات معناه أن تكون مستقيماً استقامة تامة تؤدي الفروض على أحسن وجوهها وتترك كل ما فيه شبهة ولا تزِلُّ قدمك بشيء وإلا فلا؛ وهذا مما يصدُّ الكثيرين عن الاستقامة وإنما تفهمه أن مجرد تركك للمعصية احتساباً هذه طاعة تزيدها طاعة أخرى بأن تحمد الله على تركك لها كلما تذكرتها مع الاستغفار وتنظر له في باب من أبواب يتيسر عليه من صدقة أو صلاة أو صيام أو قراءة قرآن أو أي باب وتحثه على التمسك به مع الفرائض دون تشديد عليه أو تقنيط له إن هو ترك أو قصَّر قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة :" وقال بعض السلف أن الفقيه من لم يقنِّط الناس من رحمة الله ولم يؤمِّنهم مكر الله ولم يدَع القرآن رغبة عنه إلى ماسواه " وهذه الكلمة الذهبية من السلف هي ما نحتاجه هنا، فمِن الناس مَن يُسوِّي بين المعاصي شديدها وخفيفها فيوهِم مَن ترَك الشديد أنه ليس على شيء لعدم تركه الخفيف فيُقنِّط الناس ومنهم من يجعلهم يستهونون المعاصي اليسيرة بحجة أن هناك أخرى شديدة وهذا الذي يؤمِّن الناس من مكر الله فكثير من الخفيف هو طريق الثقيل أصلاً وأشد منهم من يعلمهم على اتباع الرخص ومنهم من يقدِّم للناس بدائل في البدع والمحدثات والمشتبهات أو المعاصي اليسيرة ويعلمهم على ترك المعاصي الثقيلة من خلالها وهذا الضرب هو مَن ترَك كتاب الله إلى ما سواه فأعجبُ من دقة كلام السلف على قِلَّته واشتماله على معانٍ عظيمة وأخيراً قد يجد المرء في نفسه ضعفاً أمام بعض المعاصي فهو لا يزال بخير ما دام يستغفر ويدعو الله ولا تصده هذه المعصية عن الطاعات قنوطاً ولا يستحلها أو يهون من شأنها أمناً من مكر الله عز وجل أو تجره إلى ما هو أكبر منها من أحد البابين القنوط أو الأمن من مكر الله.