كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل كفر بعض فقهاء التابعين بعض بني مروان؟

المصدر
هل كفر بعض فقهاء التابعين بعض بني مروان؟ رأيت تدوينة لبعض الناس يزعم أن جماعة من التابعين كفروا بعض بني مروان لأخذهم الجزية من المسلمين، والمسألة ليست هكذا بل أمر أدق من هذا بكثير غير أن هذا مثال جيد لبيان الإشكال العميق عند المتناقشين في قضايا التكفير في زماننا والتي صار النقاش فيها ضرورة حركية بسبب بعض المشاريع التي أدخلت صغار الشباب وطلبة العلم في دقائق علمية قبل إتقان الأصول. المتتبع لحوارات الناس في هذا الباب يرى جلياً ضعف تحرير مقالة المخالف في مواطن عديدة، وكثرة الاستدلال بأدلة خارج محل النزاع وإعمال القياس في مسائل فيها نص أصلاً ثم الطاغي المبالغة في توصيف مقالة الخصم والحكم عليها سواءً كانت حقاً أم باطلاً. قصة أخذ الجزية من المسلمين ، هذه اشتهر بها الحجاج ولم يكن يأخذ الجزية من كل المسلمين وإنما من أهل الكتاب الذين أسلموا وكان يقيسهم على العبيد فالكافر إذا أسلم قبل أن يؤسر لم يسترق وإذا أسلم بعد الأسر لم يقتل ولكن يمكن أن يسترق؛ فقال أن الكتابي الذي يسلم بعد فرض الجزية تبقى الجزية عليه ثم تكلم بما يدل على استحلاله لذلك فقال : إنما هم بمنزلة عبيدنا وهذا كقول من قال إنما البيع مثل الربا . قال أبو عبيد في كتاب الغريب: ”فهذا وجه حديث النبي عليه السلام في الجزية وإنما احتاج الناس إلى هذه الأحاديث في زمن بني أمية لأنه يروي عنهم أن الرجل من أهل الذمة من أهل السواد كان يسلم ولا يسقطون الجزية عن رأسه ويأخذونها منه مع الجزية من أرضه وكان الحجاج يحتج فيه“. وقال أبو عبيد أيضاً: «وإنما احتاج الناس إلى هذه الآثار في زمان بني أمية، لأنه يروى عنهم، أو عن بعضهم: أنهم كانوا يأخذونها منهم وقد أسلموا، يذهبون إلى أن الجزية بمنزلة الضرائب على العبيد يقولون: فلا يسقط إسلام العبد عنه ضريبته، ولهذا استجاز من استجاز من القراء الخروج عليهم». غير أن النقاش كان حول الحجاج فحسب واختلاف الناس بتكفيره ولم يذكر أحد الكلام عن عبد الملك بل في بعض الآثار ما يشعر أنهم ما ألحقوه بالحجاج. قال ابن سعد في الطبقات أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن زيد عن أبي التياح قال: شهدت الحسن وسعيد بن أبي الحسن حين أقبل ابن الأشعث فكان الحسن ينهى عن الخروج على الحجاج ويأمر بالكف وكان سعيد بن أبي الحسن يحضض. ثم قال سعيد فيما يقول: ما ظنك بأهل الشام إذا لقيناهم غدا؟ فقلنا: والله ما خلعنا أمير المؤمنين ولا نريد خلعه ولكنا نقمنا عليه استعماله الحجاج فاعزله عنا. فلما فرغ سعيد من كلامه تكلم الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إنه والله ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف ولكن عليكم السكينة والتضرع. وأما ما ذكرت من ظني بأهل الشام فإن ظني بهم أن لو جاؤوا فألقمهم الحجاج دنياه لم يحملهم على أمر إلا ركبوه. هذا ظني بهم. أقول: هذا أثر صحيح الإسناد والكلام في اختلاط عارم لا يضر في أثر مقطوع علماً أن هناك من ينكر أنه حدث بأي حديث منكر في اختلاطه ومعلوم رد الذهبي على ابن حبان في ذلك. وظاهر هذا الأثر أن سعيد بن أبي الحسن يرى عبد الملك أمير المؤمنين مع أنه ولى الحجاج الذي يستجيزون الخروج عليه ويكفرونه وقد يستغرب بعض الناس مثل هذا، غير أن له نظائر وهي أن يكون المباشر للجناية غير المعين في الحكم وإن كانوا كلهم مذمومين فعلى سبيل المثال الجاسوس للحربيين عامة الفقهاء لا يقتلونه مع أن الحربي يقتل ولكن معينه بالتجسس إن كان مسلماً فليس كذلك، ومثل هذا نزاعهم فيمن يعين قاتلاً دون أن يباشر القتل هل يقتل قصاصاً أم لا؟ ويبدو أن عبد الملك لم يظهر منه كلام صريح مثل كلام الحجاج وآثار السلف كثيرة ظاهرها أنهم لا يكفرونه بل كان النقاش محتدماً في الحجاج. =