كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= قال ابن قدامة المقدسي في تحريم النظر في كتب الكلام: "وذلك مثل مسألة النقط والشكل، ومسألة تخليد أهل البدع في النار، وأشباه ذلك من المحدثات والحماقات التي لا أثر فيها فيُتَّبع، ولا قول من إمام مرضي فيُستمع، فإن الخوض فيها شين، والصمت عنها زين، والمتكلم فيها مبتدع خائض في البدعة مرتكب شر الأمور بشهادة الخبر المأثور". أقول: هذا الكلام قد تكون فيه إشارة لهذا المعنى وذلك في قوله (مسألة تخليد أهل البدع في النار). معلوم أن الموفق ابن قدامة لا يريد القول بتخليد أهل البدع المفسِّقة في النار، فهؤلاء القول بتخليدهم هو قول الخوارج، فلا يمكن أن يقول أن هذه المسألة ليس فيها قول لإمام. فهو قطعًا يريد أصحاب البدع المكفِّرة، وإذا كان الأمر كذلك فكلامه لا يستقيم إلا عند الفصل بين (التكفير) و (لزوم التعذيب) فإنه لو كان يُقرُّ بتلازمهما فإن خصمه سيقول له: تكفير الأئمة لبعض فرق أهل البدع ثابت لا يمكن إنكاره، والتكفير يلزم منه الشهادة بالنار ضرورة في كل حال، فكيف تزعم أن المسألة لا إمام فيها. فكلامه لا يستقيم إلا بهذا الفصل (مع عدم التسليم ضرورة بصحته). قال ابن قدامة في رسالته إلى الفخر ابن تيمية: "إنني لم أنه عن القول بالتخليد نافت له، ولا عبت القول به منتصرًا لضده. وإنما نهيت عن الكلام فيها من الجانبين إثباتًا أو نفيًا، كفًّا للفتنة بالخصام فيها، واتباعًا للسنة في السكوت عنها". إلى أن قال: "ولا تظن أنه يتمنع منك في الجواب بتقليد بعض الأصحاب. ولا يكتفي منك بالحوالة على الشيخ أبي الفرج وابن الزاغوني وأبي الخطاب. ولا يخلصك الاعتذار بأن الأصحاب اتفقوا على أنهم من جملة الكفار، ولازم هذا الخلود في النار. فإن هذا الكلام مدخول، وجواب غير مقبول". أقول: الكلام هنا عن الأشاعرة والمعتزلة، بل يبدو أن الأشاعرة هُم المقصودون ابتداءً بالبحث، لأن ابن قدامة ذكر للفخر ابن تيمية أن القاضي المعيَّن عندهم عيَّنه أهلُ البدع المشار إليهم، وهذا المعنى ينطبق على الأشاعرة فهم من كان لهم ولاية في ذلك الوقت. وابن قدامة لا ينكِر اتفاق أصحابه على تكفير القوم، فهو حين عرض للقضية في بداية الرسالة ما أنكر ذلك، وإنما يتوقف في استلزام التكفير هذا المعنى ضرورة، ومع كون عامة كلامه يُمكن مناقشته خصوصًا استشهاده بكلام السجزي في نقل الخلاف في تكفير القائل بخلق القرآن، وكلامه فيه نظر فقد نقل الاتفاق أئمة قبله، غير أن السجزي نفسه نقل الاتفاق على تكفير منكر القرآن العربي (يقصد الكلابية والأشعرية). إلا أن المقصود هنا أن كلامه في رسالة ذم الكلام قد يشير إلى موضوع (الاسم) و (الحكم)، وهو تخريج جماعة من النجديين على تقرير ابن تيمية. ومعلوم أن عامة التكفير الوارد في كلام الأئمة ليس فيه استثناءات، بل بعضهم ينصُّ على نفي العذر كما حصل من عدد من المصنفين في السنة، ومنهم من نصَّ على الشهادة بالنار مثل الطبراني، ومنهم من قال بالعذر لبعض الناس وسكت عن الحكم الأخروي. غير أن المقطوع به أن القول بأن (الاسم) و (الحكم) (قد) يفترقان في بعض الناس هو بعيد عن قول المتكلمين، إذن هُم ومن يوافقهم يخالفونه ضرورةً ويرون أن (الاسم) و (الحكم) متلازمان، فيأتيان معًا ويرفعان معًا ولا ثالث لهاتين الحالتين، ومن يقول بوجود أهل الفترة في غير أهل ملَّتنا وينفي وجود نظير لهم في الأمة في ثبوت الاسم دون الحكم هو أيضًا محتاج أن يَذكُر لنفسه سلفًا، وسيكون كالعادة مجرد قراءة لكلام ابن تيمية تُناقشها قراءات أخرى، ولو قال بعدم وجوده في الأمة لظهور الحجة فيها لكان وجيهًا جدًّا، ولكن كثيرين ممن يعترضون على أئمة الدعوة يريدون العكس وهو توسيع العذر للأمة، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى مقالة حقيقة إهدار جهود كل العلماء في نقد الضلالات في بيان قيام الحجة. واليوم اشتهر الفصل بين (الاسم) و (الحكم) حتى في الكفار الأصليين، وهذا كله محل نظر عندي.