كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

مسانيد أبي حنيفة تلك الأغلوطة!

المصدر
مسانيد أبي حنيفة تلك الأغلوطة! من الأمور المؤسفة أننا نجد كثيراً من الباحثين يستغلون شهرة مذهب أهل الرأي في الأزمنة المتأخرة لتمرير أغلوطات علمية. اشتهر بين العام والخاص أن أبا حنيفة إمام مذهب أهل الرأي ضعفه جماهير المحدثين بالحديث، وأبى ذلك الكثير من المتعصبين لمذهبه، وقلدهم كثيرون من أصحاب الفكر التوافقي. وعلى عادتهم لا يكتفون بالدفاع حتى يتضمن دفاعهم سباً للمحدثين الذين بهم عرفت السنن وصححت وضعفت، وآخر ما وقفت عليه قول بعضهم أن من ينسب أبي حنيفة لعدم معرفة الحديث فهو جاهل متعصب. وبعيداً عن كون عبارة (كان جاهلاً بالحديث) محفوظة عن الإمام الشافعي في حق إمام أهل الرأي في آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم، وأن أبا حنيفة نفسه اعترف بضعفه في الحديث، قال الترمذي في العلل سمعت محمود بن غيلان، يقول: سمعت المقري، يقول: سمعت أبا حنيفة، يقول: عامة ما أحدثكم خطأ. قال محمود: وسمعت وكيعا يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: سمعت عطاء قال: وكيع إن كان سمعه. ولكن ما داعي هذا التشنج وقد صح عن بعض الأئمة قوله في أبي حنيفة (كان زمنا في الحديث) والزمن المصاب بعاهة، ونحن نرى بعض المعاصرين ممن لا يتكلم في إمام أهل الرأي لعقيدته وفقهه، ولكن يتكلم فيه لأمر الحديث لأنه لا يسع السكوت في هذا، فيقفز عليه بعض المتعصبين ويقولون من أنت حتى تطعن في الإمام الأعظم. واجتهد بعضهم لبيان مكانة الرجل فقالوا أن لهم 17 مسنداً جمعها الخوارزمي في كتاب مسانيد أبي حنيفة، وهذا يدل على سعة معرفته بالحديث، وبعضهم يربط بين تضعيف أبي حنيفة ومسالك الحداثيين في الطعن في التراث. ولكي يزول عنك التشنج في هذا البحث عليك أن تعلم عدة أمور: أولها: أن أبا حنيفة وصاحبيه ليس لهم أي حديث في الكتب التسعة، وعليه فتضعيفه في الحديث لا يفيد منكري السنة في شيء ولا الحداثيين، بل الذي ينفعهم أشد النفع اتهام أئمة المحدثين بالتحامل على إمام أهل الرأي وتتابعهم على تضعيفه، وهو ليس كذلك. ولتفهم الأمر أكثر، لو ذهبت إلى كتب التفسير المتقدمة مثل تفسير الطبري؛ وتفسير ابن أبي حاتم؛ وتفسير ابن المنذر وغيرها كثير، فلن تجد رواية لأبي حنيفة وصاحبيه لا في تفسير آية ولا في الإسناد لمفسر هذا الغالب. وكذلك إن ذهبت لكتب الزهد والرقائق، كالزهد لابن المبارك؛ والزهد لأحمد؛ والزهد لابن أبي عاصم؛ والزهد لأبي داود؛ وكتب ابن أبي الدنيا بأسرها، فلن تجد لأبي حنيفة ذكراً لا في المتحدثين ولا في رجال الإسناد. وأيضاً كتب الجرح والتعديل، إنما نقلوا عنه كلمة في ذم جابر الجعفي من باب المعرفة، وإلزام الحنفية الذين يحتجون بخبر جابر في بعض المواطن الفقهية. ثانيها: أن الفقه في الكوفة ما بدأ مع أبي حنيفة، ولا هو منفرد بالفقه في الكوفة، ففي طبقته يوجد سفيان الثوري، ولو قرأت جامع الترمذي لوجدته دائماً يذكر مذاهب سفيان وأدلتها. وهذا موجود في عامة المدونات الفقهية الموسعة، مثل الإشراف لابن المنذر؛ والتمهيد لابن عبد البر؛ والمغني لابن قدامة، وغيرها. وهناك الحسن بن صالح؛ وشريك؛ وابن أبي ليلى، وفي الطبقة التي فوقهم يوجد حماد بن أبي سليمان؛ والحكم بن عتيبة؛ وحبيب أبي ثابت، وفي الطبقة التي فوقهم يوجد إبراهيم النخعي؛ والشعبي، وفي الطبقة التي فوقهم يوجد الأسود؛ وعلقمة؛ ومسروق؛ وعبيدة السلماني، وبقية تلاميذ علي وابن مسعود، ثم طبقة الفقهاء من الصحابة. هذا في الكوفة فقط فلم يكن أبو حنيفة (الفقيه الأقدم) كما يقول بعضهم ولا (الإمام الأعظم) وعامة هؤلاء أحسن حالاً من أبي حنيفة في الحديث، وفي الأمور الأخرى أيضاً، وهو منتفع بهم. ومذاهبهم ما انقرضت كليا كما يدعي البعض، بل هي محفوظة في كتب الحديث والفقه والتفسير. ثالثها: أن كل من كتب في الضعفاء من القدامى ذكر أبو حنيفة فيهم، بل فيهم من اتهمه، فممن ذكره في الضعفاء البرذعي في سؤالاته لأبي رزعة؛ والبخاري في الضعفاء؛ والنسائي كذلك؛ وأبو نعيم؛ وابن الجوزي؛ وقبلهم العقيلي؛ وابن حبان؛ وابن عدي؛ وقبلهم الجوزجاني، وغيرهم كثير. فإن كان فيك حمية للمشاهير من المتكلمين في الفقه، ولا تفرق بين فقه أهل الرأي، وفقه أهل الحديث، فينبغي أن تكون فيك حمية لأئمة الجرح والتعديل، فحاجتك إليهم أعظم من حاجتك لأهل الرأي. فلا يوجد أحد وإلا يحتاج لأئمة الجرح والتعديل -بما فيهم الحنفية أنفسهم- لمعرفة صحة الحديث من ضعفه، وأما مذهب أهل الرأي فقد يتدين الرجل بالحديث، أو التمذهب لمالك؛ أو الشافعي؛ أو أحمد، فلا يحتاج إليهم بشيء. رابعها: اتهام المحدثين في حكم تتابعوا عليه بالحسد أمر فيه مكابرة ومخالفة للبداهة، فهم معروفون بإنصافهم للمخالفين، وتوثيقهم للشيعة والقدرية والمرجئة الثقات، وتضعيفهم لبعض الأئمة الأجلة عندهم، وهؤلاء الأحناف دائماً يذكرون تضعيف نعيم بن حماد، وهو من أئمة أهل السنة، وقتل في سجون الجهمية. = = وقال المعاطي النوري ورفاقه في جمعهم في الجرح والتعديل: "فمن ناحية الحقد والحسد فقد يقع الحسد بين عالم وعالم، بين رجل له مائة ألف حديث مثلاً وآخر له نفس العدد أو يقاربه، ولكن هل يتصور إنسان أكرمه الله بعقل سليم أن يحقد محمد بن إسماعيل البخاري الرجل الذي جمع صحيحه من 600 ألف حديث كان يحفظها البخاري صاحب التاريخ الكبير والأوسط والصغير، هل يحقد ويحسد أبا حنيفة الذي كل بضاعته في الحديث كما قال ابن حبان رحمة الله عليه: حدث بمائة وثلاثين حديثاً مسانيد ماله في الدنيا غيرها أخطأ في مائة وعشرين منها إما أن يكون قلب إسناده أو غير متنه من حيث لا يعلم، فلما غلب خطؤه على صوابه استحق ترك الاحتجاج به في الأخبار ...." فهل يحسد أحمد ابن حنبل وسفيان بن عيينة وأيوب وجميع أهل الحديث أبا حنيفة على الأحاديث الثلاثين ومائة التي لم يحسن إسنادها ولا متنها ثم أين كتبه وأين علمه حتى يحسده عليها أئمة أهل الحديث وهل هذا موقف يحسد عليه كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث يعرف عللها ومرفوعها موقوفها كما يحفظ أحدنا اسمه فهل يحقد ويحسد أحمد ابن حنبل أبا حنيفة على عشرة أحاديث كان يعرفها بالكاد؟". جاء في أشرطة فتاوى جدة للألباني الشريط (الشريط رقم 20 الوجه الأول ): "[أحد الحاضرين] ما هو الضابط في طعن الرواة بعضهم في بعض؟ [الشيخ] في أيش؟ [أحد الحاضرين] طعن الأقران بعضهم في بعض. [الشيخ] أيه هذا كثر السؤال عنه. الضابط أن ينظر هل هذا الطاعن يحتمل أن يكون طعنه في معاصره بوازع عداوة شخصية أم لا، فإذا كان الاحتمال الأول لم يُقْبَل، وإذا كان الاحتمال الآخر قُبِل، وكلٌ من الاحتمالين ينبغي أن يدرس دراسة خاصة، أي لا بد من ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر بوجود دليل مرجح. مثلاً: عالمين متعاصرين بلديين احتمال أن يكون بينهما شيء من التنافس، أكثر مما لو كان المتعاصرين في بلدين بعيدين نأى أحدهما عن الآخر، هذا مما يلفت النظر أن المسألة تحتاج إلى اجتهاد كذلك، إذا جاء إمام بعد ذلك التعاصر و أيضاً طعن فيمن طعن فيه قرينه ومعاصره، فذلك مما يرجح أن الطعن ليس بسبب المعاصرة بل بسبب أن المطعون فيه يستحق الطعن، ثم يتأكد الأمر فيما إذا تتابع علماء الحديث على تأييد ذلك الطعن على مر العصور، فهناك نتأكد أن رد هذه المطاعن المتوجهة للشخص الواحد إنما سببه المعاصرة لأن هذه المعاصرة لم تتحقق للذين جاءوا من بعد المتعاصرين. وهذا مثاله واضح جداً في اتفاق جماهير علماء الحديث على تضعيف الإمام أبي حنيفة رحمه الله سواء من كان منهم معاصراً له أو كان ممن جاء بعده، فاتفاقهم على تضعيف أبي حنيفة يبعد إعلال الطعن فيه بالمعاصرة، لأنه لم يستقل بالطعن فيه بالتضعيف المعاصر له كسفيان الثوري وغيره". ومن علل الأمر بالعداوة يقال إذن منهج أهل الرأي غير منهج أهل الحديث وحصلت بينهم عداوة لذلك، فما دعواك أن الخلاف بينهم يسير، ثم إن الإمام أحمد على شدته على أهل الرأي اعترف أن أبا يوسف كان صدوقاً، وهذا يدلك على أن المحدثين مع نفرتهم من أهل الرأي ينصفونهم. والطعن في أئمة الجرح والتعديل يتضرر منه حتى الحنفي الذي يحتاج إليهم، ونفي الحسد عنهم في كلامهم عنه في الحديث ينفي الحسد عنهم في كلامهم عنه في العقيدة والفقه. بل العجب من إنسان سلفي يعتقد إرجاء إمام أهل الرأي وضعفه في الحديث ثم يزعم أن أهل الورع والتدين كأيوب؛ وسفيان؛ والأوزاعي؛ وابن المبارك؛ وأحمد؛ والبخاري، حسدوا رجلاً هم أجل منه في الحديث والعقيدة. خامسها: أما مسانيد الخوارزمي فهذه لو كانت صحيحة فأين الناس عنها قبل القرن السابع، وجامع المسانيد نفسه لا يوجد فيه توثيق معتبر. وقد قال المعلمي في التنكيل: "ففيه نظر ظاهر لأن غالب الجامعين لتلك المسانيد متأخرون، وجماعة منهم متهمون بالكذب، ومن لم يكن منهم متهما يكثر أن يكون في أسانيده إلى أبي حنيفة من لا يعتد بروايته، ومع ذلك فقد تصحفت (جامع المسانيد) فلم أجد فيه عن أبي حنيفة عن عطاء إلا نحو ثلاثين رواية، لعله لا يصح منها عن أبي حنيفة خمس أو ست فأين الكثرة؟ فضلا عن الإكثار جدا". وكلام المعلمي سليم، وهذه المسانيد معظمها اختلاق. وإنني لأتعجب من منتسب للسلفية لا يقبل الأخبار المتواترة في ذم الرجل عن السلف ثم يصدق كتاب جامع المسانيد للخوارزمي. علماً أنه لو صح مضامين هذا الكتاب بالجملة فهذا لا يدل على عدم الضعف في الحديث، فالحنفية أنفسهم يضعفون نعيم بن حماد مع أنه كثير الرواية جداً. سادسها: أن أبا حنيفة لم يكن مضعفاً في الحديث فحسب مع اشتغاله بالفقه، فهذا ابن أبي ليلى ضعفوه في الحديث، ولكنهم أثنوا على فقهه لما كان ملتزماً لحدوده، غير إن إمام أهل الرأي كان صاحب منهج أصولي اطرح بسببه الكثير من الأحاديث الثابتة ثم احتج بواهيات، فكان هذا سبب نقمة الناس عليه. = = قال الطوفي في شرح مختصر الروضة: "وأما بحسب العلمية، فهو في عرف السلف علم على أهل العراق، وهم أهل الكوفة، أبو حنيفة ومن تابعه منهم، وإنما سمي هؤلاء أهل الرأي، لأنهم تركوا كثيرا من الأحاديث إلى الرأي والقياس؛ إما لعدم بلوغهم إياه، أو لكونه على خلاف الكتاب، أو لكونه رواية غير فقيه، أو قد أنكره راوي الأصل، أو لكونه خبر واحد فيما تعم به البلوى، أو لكونه واردا في الحدود والكفارات على أصلهم في ذلك، وبمقتضى هذه القواعد لزمهم ترك العمل بأحاديث كثيرة حتى خرج أحمد - رحمه الله تعالى - فيما ذكره الخلال في «جامعه» نحو مائة أو خمسمائة حديث صحاح خالفها أبو حنيفة، وبالغ بعضهم في التشنيع عليه حتى صنف كتابا في الخلاف بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي حنيفة، وكثر عليه الطعن من أئمة السلف حتى بلغوا فيه مبلغا ولا تطيب النفس بذكره، وأبى الله إلا عصمته مما قالوه، وتنزيهه عما إليه نسبوه". بل أبى الله إلا أن يبقى كلامهم فيه مع تعاقب دول العجم المتعصبة له، وما استطاعوا أن يطمسوا كلامهم ودلائله. وقد لاحظ الناس قديماً الضعف في مذهب أهل الرأي بسبب قلة الحديث، فقال أبو حيان التوحيدي في البصائر والذخائر: "وكان أبو حامد يقول: لو ذهب الناس كلّهم مذهب أبي حنيفة لم يكن للشريعة نورٌ ولا للسّنة ظهور؛ قال: وذلك أنّ الحديث في مذهبه قليل، كما أنّ القياس والرأي والاستحسان كثير، والفقه قاعدته معرفة سنن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واستنباط الأحكام من قوله وفعله في جميع أوقاته. وكان أبو حامد يقول: لولا محمد بن الحسن وأبو يوسف وجانباهما من السلطان، لذهب هذا المذهب وبطل، وكان يقول: لولا أنّ الشافعيّ أتى بالواضحة والجليّة وبما ليس عليه غبار، كيف كان يشيع ويقبل وينصر - وقد استقّر الفقه بمالكٍ وأبي حنيفة وأصحابهما - على قصر عمره وبعده من السلطان وزهده في الدنيا؛ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". وقال ابن تيمية في الاستقامة: "الوجه الثالث أن النصوص دالة على عامة الفروع الواقعة كما يعرفه من يتحرى ذلك ويقصد الإفتاء بموجب الكتاب والسنة ودلالتها، وهذا يعرفه من يتأمل كمن يفتى في اليوم بمائة فتيا أو مائتين أو ثلاثمائة وأكثر أو أقل، وأنا قد جربت ذلك، ومن تدبر ذلك رأى أهل النصوص دائما أقدر على الإفتاء وأنفع للمسلمين في ذلك من أهل الرأى المحدث، فإن الذى رأيناه دائما أن أهل رأى الكوفة من أقل الناس علما بالفتيا وأقلهم منفعة للمسلمين مع كثرة عددهم وما لهم من سلطان وكثرة بما يتناولونه من الأموال الوقفية والسلطانية وغير ذلك، ثم إنهم في الفتوى من أقل الناس منفعة قل أن يجيبوا فيها وإن أجابوا فقل أن يجيبوا بجواب شاف، وأما كونهم يجيبون بحجة فهم من أبعد الناس عن ذلك". فابن تيمية يقول أن من اشتغل بالحديث لم يحتج لكثير من القياس وأن أهل الرأي (الحنفية) مع أن الدولة معهم هم من أقل الناس منفعة في الفتيا. وقال كما في مجموع الفتاوى: "فلما صارت الخلافة في ولد العباس واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق ولم يكن ما معهم من العلم كافيا في السياسة العادلة: احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين حتى صار يقال: الشرع والسياسة". فهنا يحلل ابن تيمية تأثر المسلمين بسياسات العجم، أن فقهاء أهل الرأي الذين كانوا ممكنين في دولة العباسيين لم يكن عندهم (العلم الكافي) لسياسة الناس بالعدل والحق، ويقصد بالعلم الكافي علم الحديث والأثر. ومن عجائب المعتذرين أنهم تارة يقولون الرجل كان في الكوفة والحديث فيها قليل لهذا احتاج للقياس (فما بال سفيان الثوري إذن؟ لم يكن مثله) وتارة يقولون بل هو عارف بالحديث له 17 مسنداً، فما الحاجة إلى التوسع في الرأي والحال هذه؟