فضيلة الصبر ودلالتها على ضرورية الوحي والإيمان بالله واليوم الآخر...
فضيلة الصبر ودلالتها على ضرورية الوحي والإيمان بالله واليوم الآخر...
لا يختلف بنو آدم على فضيلة الصبر وأن بها يحصِّل المرء غاياته وأن الجزع علامة ضعف، والصبر أنواع، غير أن المرء يسقط في يده أمام بعض المصائب.
فيثقل عليه الصبر جداً، كفراق حبيب لحِق به الموت فلا سبيل إلى لقياه؛ أو عجزٍ لاحق بسبب ظروف خانقة، وهذا من أكثر ما يدفع الناس للاكتئاب والانتحار.
وهنا تظهر فضيلة الإيمان، فلا يعين على الصبر مثل أمرين:
الأول: الإيمان بالعدل الإلهي ورجاء الفرج منه سبحانه، وهنا يأتي الدعاء والتضرع وغيرها من المعاني المتفرعة عن ذلك.
الثاني: الإيمان باليوم الآخر وأن هذه الدار ليست دار ثواب وإنما هي دار عمل، فصبر المرء يثاب عليه في الآخرة، وفيها يتمَّم العدل كله.
وكنت قد قرأت في بعض التواريخ أن رجلاً رأى الحجاج في المنام فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل مؤمن قتلته قتلة.
هذا الضرب من العدل إنما يكون في الآخرة ولا يتحقق في الدنيا البتة، فتأمَّل كيف جعل الله عز وجل في كثير من المعاني التي حولنا دلالات على اليوم الآخر، ويجد كل إنسان بفطرته ميلاً لهذا.
ولذلك تجد في القرآن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} [البقرة].
وقوله تعالى: {واصبروا إن الله مع الصابرين} [الأنفال].
وذلك أن الصابرين محققون لمعاني الإيمان بالله عز وجل، لذلك كان معهم.
وجاء في السنة الترهيب من مظاهر الجزع وهو عكس الصبر، مِن لطم الخدود وشق الجيوب والسخط، وقال النبي ﷺ في فاعل ذلك: «ليس منا» أي أنه سلوك بأهل الإشراك أنسب، إذ أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر الذي يلتقي فيه الأحباب ويعوَّض فيه المظلومون ويظهر فيه حق الله -عز وجل- فوق كل حق.
فما من معبود غيره سبحانه القادر على ذلك، وهو سبحانه العدل وكل عدل دون عدله سبحانه.
وفي الحديث لما قال الخارجي للنبي ﷺ: "يا محمد اعدل" قال له: «ويحك ومن يعدل إن لم أعدل».
يعني أن النبي ﷺ مبعوث ربِّ العالمين، فإن لم يأتِ العدل منه فمِن أين يأتي؟
وبهذه الكلمة كنت أعظ من يحدِّثني عن معضلة الشر، فأقول له: ومن أين يأتي العدل إن لم يأتِ من ربِّ العالمين؟ وأضرب له أمثلة توضِّح ذلك.
وأيضاً نُهي عن الانتحار أشد النهي، لمنافاته للإيمان بالله واليوم الآخر، لأن داعيه عادة الجزع.
فالإيمان بالعدل الإلهي والخلف منه سبحانه هو أساس فضيلة الصبر التي اتفق الناس عليها، ولا توجد عقيدة تحقِّق مثل هذا البتة غير الوارد في الوحي.
فحتى من آمن بالتناسخ ظناً منه أنه يحقِّق شيئاً من العدل، سقط منه أن المرء عندهم ينسى حياته السابقة فيكون كأنه شخص آخر تماماً، فكأنما يحاسب شخص على ذنوب آخر (والكلام عنها لكثرتها هذه الأيام في الأعمال الآسيوية التي يتابعها الشباب مثل الأنمي).