أكمل الفراغ ...
أكمل الفراغ ...
قال محمد الطاهر بن عاشور في كتابه أليس الصبح بقريب ص181 وهو ينتقد مناهج التدريس التي نشأ عليها: "ثالثها: قول ما لا يعقل اعتقاده، وعندهم أن ذلك من محاسن الإيمان من معنى قوله تعالى (الذين يؤمنون بالغيب) فمن ذلك قولهم (السمع يتعلق حتى بالمبصرات) فهو بظاهره فاسد إلا أن يصرحوا بأنه كناية عن العلم وأن الكلام بلا حرف مع أنه كلام
وأن رؤيتنا الله في الآخرة بالعين لكن بلا جهة ولا كيف وكذلك تقريرهم الكسب، وألزموا الناس بالتقليد كما يقلدون في المدلول".
أقول: هذه الاعتقادات التي ذكرها الطاهر بن عاشور هي معتقدات الأشعرية، وعامة الناس ينتقدونهم، لا خصوصية لأهل الحديث، فحتى المعتزلة يستغربون شدة التناقض في هذه المقالات.
وقال الوحيد البهبهاني من متكلمي الشيعة الإمامية في كتابه الفوائد الحائرية ص375: "مما أنكر الأشاعرة وخالفوا به جميع أرباب العقول، كون العبد فاعلاً لفعله، ويقولون أن الفاعل حقيقة هو الله والفعل فعله تعالى بحكم العقل وإن كان فعل العبد بحسب اللغة والعرف".
ولعلك ستنفر لأن المتكلم شيعي إمامي، ولكن كلامه مطابق في المعنى لكلام الطاهر بن عاشور، فهذا هو الكسب الذي أشار إليه الطاهر بأنه لا يعقل.
وقال ابن تيمية في النبوات معلقاً على كلام الأشاعرة في القدر: "وجماهير المسلمين يعرفون أنّ هذا القول معلوم الفساد بالضرورة من دين أهل الملل".
وقد اعتبر كسب الأشعري من محالات الكلام، والسؤال هنا ما الذي نستفيده إذا رأينا إنساناً خالف ظواهر النصوص في الصفات بحجة متابعة العقل ثم نرى له مقالات يزعم عامة العقلاء أنها متناقضة ومخالفة للعقل؟
الذي نستفيده أنه لا يوجد (شبهة مستحكمة) وإنما ركون لتقليد الشيوخ والتعصب لهم أمام بينات ظاهرة، ومثل هذا لا يكون عذراً في الفروع فضلاً عن الأصول، فإن الشبهات التي ترد على النصوص يوجد لها نظائر أقوى بكثير ترد على مذاهبك الكلامية التي خالفك فيها المعتزلة وبعض أصحابك وكثير من الماتردية ومع ذلك ما تركت مذاهبك الكلامية كما تركت الفطرة والإيمان بظواهر النصوص.
والآن لو طلبت منك أن تكمل الفراغ في الجمل التالية بإحدى العبارتين إما عبارة (فباب العذر ضيق) وعبارة (فباب الشبهة والخفاء قوي إذن باب العذر واسع) :
1_ علو الله عز وجل على خلقه دلت عليه أدلة متواترة من الكتاب والسنة والإجماع والفطرة، ومال إليه متقدمي الأشاعرة والصوفية فـ ......
2_ القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه قول صعب الفهم وينفر منه العامة وفيه رفع للنقيضين فـ.....
3_ الفرقة الفلانية خالفت أهل السنة في الصفات والإيمان والقدر، وفي كل مرة يخالفون تجدهم يخالفون نصوصاً كثيرة ويقولون بأقوال تخالف كلام عامة العقلاء فـ.....
4_ شبهة منكري المعاد أقوى من شبهة منكري العلو لذا فـ ....... في إنكار العلو.
5_ الجهمية الأولى لما امتحنوا الناس في القول بخلق القرآن لم يظهروا إنكار العلو لشدة نفرة الناس من الأمر لذا فـ........ في إنكار العلو.
6_ المرء يجد ضرورة في نفسه في الاتجاه للعلو، وهذا معنى الفطرة، والشبهات النظرية لا تخدش الضرورات لذا فـ ........ في إنكار العلو.
7_ أكثر بدعة تكلم السلف في تكفير الواقعين فيها بدعة القول بخلق القرآن، وقالوا فيها من الكلام الغليظ ما لم يقولوه في أي بدعة أخرى، وإنكار العلو أشد منها أو مثلها لذا فـ ..... في إنكار العلو.
٨- يوجد خلاف معتبر في تكفير بعض الفرق كالخوارج، وإنكار العلو أشد من قول الخوارج، ومن جمع بين إنكاره وتكفير مثبتيه فقد جمع بين خصلة من التجهم وأخرى من الخارجية لذا فـ ......
هذه المضامين حاضرة في كلام ابن تيمية وابن القيم وعامة أهل الحديث بعدهم وقبلهم، أرجو أن يتدبر المرء في هذه الكلمات اليسيرة، فإن كثيراً من الناس يهرب من أصل البحث إلى التشويش بما يوهم القاريء أو المستمع أن الطرف المستبعد للعذر يرى جميع المسائل طبقة واحدة في عدم العذر، ويغفل الحديث عن خصائص المسألة المبحوثة، وقرائن الإدانة، وينظر فقط للشبهة مع أن هناك ممارسات ينبغي أن يوقف ضدها، مثل عدم تبديع من وقع في هذه البلايا وتفضيله على أهل السنة، أو اعتبار هذه المسائل من ترف القول، وأن إنكارها من الكيد بالمسلمين، ولكن بعض الناس يشبه شخصاً لا يكفر تارك الصلاة ثم يذم مكفريه أكثر من ذمه لمن يقولون إيمانه كامل أو يذمهم أكثر من ذم تارك الصلاة نفسه، فإذا قلت له أنت بهذا المجموع أحدثت وسلوكك غريب قال لك: أنا لي سلف في عدم التكفير. وأنت لا تباحثه في التكفير وإنما تباحثه في السلوك العام في التعاطي مع المسألة.