كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

مناقب مطمورة لأهل الحديث..

المصدر
مناقب مطمورة لأهل الحديث.. (كيف ذبَّ الإمام الشافعي عن الإمام أحمد؟). قبل الدخول في البحث لا بد من التنبيه على أمر هام، وهو أن التكفير ليس دليلًا على صلابة ومتانة في الدين بذاته، ولا هو أيضًا دليل على التطرف والغلو والشذوذ النفسي بذاته أو قلة الورع، بل هو راجع للبحث العلمي والأدلة في ذلك. وكذلك عدم التكفير في شيء لا يعني التهوين من شأنه ولا يدل على رقة في الدين بذاته، وكذلك لا يدل على الاعتدال والورع بذاته، بل الأمر راجع للأدلة والبحث العلمي. وكل باحث متدين يهتم بأن تتَّسق أصوله في جميع المسائل، فأنا على سبيل المثال سلفي بمعنى أن كل مسألة لا بد أن يكون لي فيها سلف في القول الذي أختاره، وأيضًا لا بد أن يكون لي سلف في طريقة التعامل مع المخالف. فإذا اختلف العلماء في الشيء الفلاني هل هو حرام أم حلال فلا بد أن يكون لي سلف في اختياري ويكون ترجيحي ليس خاضعًا للتشهي بل لعوامل الترجيح المعروفة في البحث العلمي. ثم بعد ذلك لا بد أن يكون لي سلف في إنكاري على المخالف من عدمه. وهكذا إذا اختلفنا في أمر هل هو كفر أكبر أم ليس كذلك، لا بد أن يكون لي سلفٌ في القول ثم سلفٌ في توصيف القول المخالف، فإن اخترت أنه ليس بكفر واختار أئمة أنه كفر فلا يجوز أن أصف القول المخالف بأنه خلاف الورع، فهذا سينتهي إلى رمي أئمة بقلة الورع، وأعني بالأئمة أئمة السلف أئمة أهل الحديث. فإن وجدت إمامًا سبقني لهذا الوصف (وصف القول بأنه قلة ورع) مع كونه احترم مخالفيه بالجملة، فأنا أعلم أنه يعد هذا القول قلة ورع ولكنه احترم مخالفيه (وعذرهم) ولم يجوِّز تقليدهم فيما زلُّوا فيه. واليوم كثير من الناس يميل لعدم التكفير مطلقًا ظنًّا منه أن هذه رحمة، وهذا فيه نظر، فإن الله عز وجل خلق الجنة وخلق النار وكانت الجنة من آثار رحمته والنار من آثار عدله. ولهذا كان العلماء المهديون لا يتورَّعون عن التكفير في محله لأنهم يشاهدون العدل، ولا يتوقفون عن عدم تكفير في محله -وإن رأوا شدة ضرر المعصية- مشاهدةً للرحمة. ولكن كثيرًا من الناس اليوم يشاهدون الرحمة في حقوق الخالق فيعظم إعذارهم في هذا الباب جدًّا، ويشاهدون العدل في حقوقهم فيضيق العذر عندهم، فدخلت عليهم شبهة تشبه شبهة الملاحدة الذين يشكِلون على وجود النار ويجعلون الإنسان هو المركز وعليه مدار الثواب والعقاب. هذه المقدمة لا بد منها بين يدي أي حوار علمي يتعلق بالتكفير، فإنه مع الأسف كثير من طلبة العلم يعوِّلون على هذه النزعات المنحرفة عند العامة في نقاشاتهم، ولو أنصفوا وتديَّنوا لنبَّهوا العوام التنبيه المذكور أعلاه قبل أن يدخلوا في البحث. ــــــــــــــــــــــــــــــ جاء في كتاب [الرسائل والمسائل المنسوبة للإمام الشافعي جمعًا ودراسة]، من مطبوعات مركز تكوين، للباحث مهنا سالم سعيد مرعي ص٥٢٥: عرض الدعوى: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال: القرآن مخلوق: كفرت بالله العظيم. بيَّن له أن هذا القول كفر ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم". مناقشة الدعوى: ١) كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- صحيح من حيث الأصل، فإنه لا يكفر أحد بعينه إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، والنقد هنا على شيخ الإسلام يتجه إلى التمثيل في هذه القضية بموقف الشافعي من حفص الفرد، فإن الشافعي -رحمه الله- كفَّره صراحة بعد أن ناظره وأقام الحجة عليه. ٢) هذا التمثيل من شيخ الإسلام -رحمه الله- فيه تأويل غير سديد وذلك لأجل حكم الإمام الشافعي -رحمه الله- على حفص الفرد بالردة والكفر صراحةً، ويدل على تكفيره أمور: ‌أ- صراحة عبارة الشافعي في التكفير حينما قال: "كفرتَ بالله العظيم"، حيث حكم على القائل ولم يتعرض للقول والفعل. ‌ب- أن الإمام الشافعي أقام عليه الحجة وأطال معه المناظرة، حتى إن أبا شعيب المصري كتب حججهما في كتاب، فهل بعد هذا البيان من بيان؟ ‌ج- أن حفصًا قد كان من أكبر الأسباب التي جعلت الإمام الشافعي -رحمه الله- يبغض ويبغض في علم الكلام، وما ذلك إلا لأجل الكفر الذي كان يسمعه من حفص. ‌د- تغليظ الإمام الشافعي -رحمه الله- على حفص بالدعاء عليه بالهلاك والويل، مع ما اشتهر عن الشافعي من الصفح ولين الجانب إلا ما كان مع حفص الفرد. إلى أن قال الباحث: ٣) أن هذا الفهم من شيخ الإسلام مخالف لفهم تلميذ الإمام الشافعي الذي عايش الواقعة، وفهمه أولى بالتقديم في شيخه من غيره. قال الربيع في حكاية المناظرة: "فسأل فاحتج عليه الشافعي، وطالت المناظرة، فأقام الشافعي الحجة عليه بأن القرآن كلام غير مخلوق وكفَّر حفصًا الفرد وقطعه"....... لإكمال قراءة البحث يُنظر الملف التالي 👇