كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الجواب الأثري على شبهة الآكل والمأكول

المصدر
الجواب الأثري على شبهة الآكل والمأكول هناك مجموعة من الفلاسفة الذين ينكرون بعث الأجسام ويقولون البعث فقط للأرواح ( وهذا مذهب ابن سينا ) والسبب الرئيسي لهذا الإنكار أنهم لا يؤمنون أصلاً بالأفعال الاختيارية لله ولا المفعولات الاختيارية لذا قالوا بقدم العالم ( أنه تولد عن الله وكان لله كالشعاع للشمس ) وبالتالي ينكرون إعادة الله للخلق لأنهم ينكرون الابتداء أصلاً ويؤولون النصوص في كل ذلك غير أن لهم شبهات مماحكية يشوشون بها على الناس كمثل الجهمية الذين ينكرون أن يفعل الله أفعالاً اختيارية ثم يذهب يشوش على نصوص معينة يجد للتشويش عليها سبيلاً مثل ( حديث النزول ) وحقيقة أمره أنه ينكر الأفعال الاختيارية لله عز وجل مطلقاً ويخلط بين الأفعال والمفعولات وكانت من ضمن شبهات الفلاسفة المنكرين لبعث الأجسام المشهورة والتي تعد من أقوى شبهاتهم شبهة الآكل والمأكول وقبل أن أذكر للقاريء نص الشبهة ليعلم أنهم مع ذلك يزعمون لأنفسهم الإسلام بل بعضهم يفسر القرآن وظواهر النصوص التي تثبت المعاد الجسماني يتأولونها ويقولون للمتكلمين نحن نتأولها كما تتأولون نصوص الصفات ! وهذا الإلزام جعل الرازي في بعض تصانيفه يكف عن تكفيرهم ! نص الشبهة : أن الإنسان إذا مات فإنه يصير تراباً ويتحلل ثم هذا التراب يكون منه النبات الذي يتغذى عليه الحيوان والحيوان يأكله إنسان آخر فكأن الإنسان أكل إنساناً آخر بالمآل وصارت أجزاء جسم الميت في جسم الحي فماذا لو كان الميت مؤمنا والحي كافراً أو أي حال فهذا الجسم هل سيتنعم أو سيتعذب وقد صارت هذه الأجزاء جسماً لهذا وذاك عادة ما يجيب المتكلمون على هذه الشبهة بأن الإعادة والبعث تكون للأجزاء الأصلية لا الأجزاء المكتسبة من الغذاء أي أن كل إنسان له جزء أصلي خاص وله جزء يستفيده من الغذاء فالجزء المستفاد من الغذاء ليس هو الذي يدخله البعث بخلاف الجزء الأصلي وقد نوقش هذا الجواب من بعض المتكلمين المعاصرين وأكثر من يبحث هذه المسألة الشيعة الإمامية لكونهم أكثر الفرق عناية بالفلسفة المشائية ونتاجها وكلام أئمتها وأصل شبهة الآكل والمأكول أن الإنسان يفنى جسمه بالكلية ولا يبقى منه أي جزء وإلا إن بقي منه جزء فإن الشبهة تنتهي فإن هذا الجزء يكون منه نمو الجسم في الآخرة وبعثه كما أن الطفل يبدأ جسماً صغيراً ثم ينمو وقد ورد في السنة ما يدل على أن ليس كل الجسم يفنى قال البخاري في صحيحه 4935 - حدثني محمد أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين النفختين أربعون قال أربعون يوما قال أبيت قال أربعون شهرا قال أبيت قال أربعون سنة قال أبيت قال ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة. ( وهو في صحيح مسلم ) وفي مقال للدكتور مصطفى عبد المنعم في موقع رابطة العالم الإسلامي بعنوان ( عجب الذنب ... اكتشافات جديدة ) يقول : لقد بني علماء المسلمين في النصف الثاني من القرن العشرين فهمهم للإعجاز في هذا حديث عجب الذنب على قاعدتين علميتين أساسيتين هما: 1. أن العصعص هو ما تبقي من جزء أولى من الجنين يعرف باسم (the Primitive streak) وهو جزء محوري عرف بأنه يظهر في أوائل الأسبوع الثالث وتمر منه خلايا من طبقة الإكتوديرم لتكون طبقة الميزوديرم ثم يتقلص (the Primitive streak) وما يتبقي منه إلى أجزاء ضئيلة تكون ممثلة في الإنسان في فقرات العصعص (شكل1). 2. أن الدليل على أصل قدرة هذا الجزء على تكوين مختلف الأنسجة بالجسم هو أنه في حالة حدوث ورم في هذا الجزء لدى الطفل المولود (teratoma) فإن هذا الورم يحوى نماذج من جميع أنسجة الجسم المختلفة (شعر ـ أسنان ـ غدد ...) (شكل2). والنقطتين السابقتين سليمتين في مجملها ولكن ظهرت في السنوات الأخيرة دقائق مبهرة توضح تفاصيل هامة وتحمل دلائل إعجازي سنوجزها فيما يلي في صورة أربعة نقاط أساسية تمثل في مجملها الجديد في فهم تكون العصعص في المرحلة الجنينية: ثم ذهب يشرح والذي يهمني من مقاله قوله : ولكن على الباحث في هذا المجال أن ينتبه إلى أن افتراض أن عظمة العصعص ستظل بكاملها بدون بلاء إنما هو فهم قد يوافق مقصود الحديث أو لا يوافقه. وقد يكون هناك قدر من العظمة (لا نعلم مقداره) هو الذي لا يختفي. فإن الحديث الشريف بلغة العرب وفيها علاقات كلية وجزئية وخصوص وعموم بين الألفاظ كما قال تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ)(الأحقاف: 25). أي كل شيء أمرها الله تعالى بتدميره وإلا فإنها لم تدمر الأرض والسموات والكواكب. وهذا قريب مما ورد في تفسير الآلوسي :" وصحح المزني أنه يفنى أيضا وتأول الحديث بأن المراد منه أن كل الإنسان يبلى بالتراب ويكون سبب فنائه إلا عجب الذنب فإن الله تعالى يفنيه بلا تراب كما يميت ملك الموت بلا ملك موت، والخلق منه والتركيب يمكن أن يكون بعد إعادته فليس ما ذكر نصا في بقائه، ووافقه على ذلك ابن قتيبة" وللطحاوي رأي ثالث أن عجب الذنب يخفيه الله بقدرته وقد يقال باللغة الحديثة أنه تبقى منه خلايا أو خلية ومنهم من أبقاه على ظاهره وحمل ما خالفه على الخصوص والخلاصة منها كلها أن عجب الذنب لا يدخل في المأكول وبذلك تنتهي الشبهة ثم في حديث أبي هريرة تتمة الجواب على الشبهة وهي أن الغذاء الذي ستنبت منه الأجساد ليس هو الغذاء الأرضي بل هو مطر سماوي وضمن مقال نشرته صفحة الباحثون المسلمون بعنوان ( الإعجاز المذهل في حديث عجب الذنب ) : ولقد قمنا في رمضان 1424هـ في صنعاء بتجربة على العصعص حيث قمنا وتحت تصوير تلفزيوني بأخذ أحد فقرتين لخمس عصاعص للأغنام قمنا بإحراقها بمسدس غاز فوق أحجار ولمدة عشرة دقائق (حتى احمرت وتأكدنا من احراقها التام بحيث أصبحت حمراء وبعد ذلك أصبحت سوداء متفحمة فوضعنا القطع في علب معقمة وأعطيناها لأشهر مختبر في صنعاء (مختبر العولقي) وقام الدكتور / صالح العولقى أستاذ علم الانسجة والامراض في جامعة صنعاء بفحصها نسيجيا وكانت النتيجة مبهرة، حيث وجد خلايا عظمة العصعص لم تتأثر ولازالت حية وكأنها لم تحرق (فقط احترقت العضلات والأنسجة الدهنية وخلايا نخاع العظم المصنعة للدم. أما خلايا عظمة العصعص فلم تتأثر). اكتشافات أخرى : ذكرنا سابقاً في الجزء الأول ان من ضمن التجارب التي قام بها العالم هانس سبيمان تجربتا السحق والغليان للمنظم والمخلق الأولي (الخيط الأولي والعقدة الأولية). وكان القصد من تلكما التجربتين هو معرفة طبيعة المواد التي توجد في هذا المنظم والمخلق الأولي والتي لا تتأثر بالسحق اوالغليان ولم يتوصل هانس سبيمان لمعرفة هذه المواد. فسبحان الله وكأن الحديث جاء للجواب على شبهة الآكل والمأكول التي بنيت على أن الجسد كله يفنى ولا يبقى منه شيء وأن الذي سيبعث هذا المتغذي الأرضي فأبطل الحديث المقدمتين فبين أن هناك أصلاً باقياً في كل إنسان لا يدخله الفناء الذي في بقية الجسد وأن الجسم يعود بغذاء سماوي لا الغذاء الأرضي ويتمم الجواب على الشبهة أن تفهم أن الفناء في النصوص لا يعني الاختفاء الكلي وإنما التبدل من حال إلى حال ومن هذا تفهم أن استثناء عجب الذنب هو استثناء للفناء بالتراب الطريق التي يفنى بها بقية الجسم فالله عز وجل يقول : ( كل من عليها فان ) ثم هذه الأشياء كلها تتبدل كما ذكر الله في القرآن تبدل السماوات والأرض والبحار والجبال وذلك فناؤها وقد شرح ذلك ابن القيم في النونية قال الشيخ محمد خليل هراس في شرح النونية : يزعم الفلاسفة المنكرون للمعاد الجسماني أنه لا بد في البعث من إعادة الأجسام التي كانت في الدنيا بأعيانها يعني بجميع صفاتها وأعراضها التي كانت لهم في الدنيا ، ولما كان ذلك مستحيلاً فقد أدى بهم إلى إنكار البعث وللرد عليهم نقول : إن الله ينشيء الخلق ويؤلفهم تأليفاً جديداً كما قال تعالى : ( ثم الله ينشيء النشأة الآخرة ) ( وأن عليه النشأة الآخرى ) وليس ذلك بلازم في الإعادة ، ولا في كون الشخص عين الأول يعاد الجسم بجميع أجزائه ، فإن الشخص في الدنيا يكون صغيراً ثم ينمو وينتقل من طور إلى طور وهو في كل الأطوار في تجدد دائم واستحالة مستمرة فتخرج منه أجزاء وتتجدد له أخرى ومع ذلك هو في كل الأطوار هو فكذلك النشأة الأخرى هي بمثابة طور من الأطوار التي تحدث للإنسان إلى أن قال : ولم يقل الله ورسوله قط إن الله يعدم الأشياء كلها ثم يعيدها من عدم كما يقول هذا الجاهل الحيران الجهم بن صفوان قبحه الله . أقول : ومن المتكلمين من الشيعة وبعض الأشعرية_ كالغزالي _ من ذهب إلى أن الأجسام التي تعود لا علاقة لها بالأجسام الأولى من أي وجه بل تخلق خلقاً ابتدائياً وهذا بسبب ضعف بضاعتهم من الآثار وتصديهم للرد على الفلاسفة مع ذلك ولا يخفى ما في قولهم من ضعف ومناقضة للنصوص فالنصوص تتكلم عن إعادة وبعث وليس ابتداء وفي هذا عبرة لمن يعتبر والذي هيجني لكتابة هذا أنني وجدت بعض الشيوخ يشرح الآجرومية ( وأنا أقرأ الشرح مفرغاً ) وجه له أحد الشباب سؤالاً في هذه المسألة وكان حائراً فرأيت أن أكتب جواباً وأبين فضل اتباع الأحاديث والآثار على طريقة الفلاسفة والمتكلمين وما فيها من الحيرة والتخبط فسبحان الله حديث أبي هريرة وكأنه جاء جواباً على الشبهة