كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الجزر ومنهج التفكير السليم ...

المصدر
الجزر ومنهج التفكير السليم ... "الجزر يقوي النظر" هذه العبارة كنت أسمعها في الصغر، ومع دراستي للتغذية توقعت أن تكون معلومة غير صحيحة أو غير دقيقة ككثير من الأمور التي كنا نسمعها في الصغر، غير أنه تبين لي أنها معلومة صحيحة تماماً، ولكنني كنت أفهمها بشكل خاطئ. نعم الجزر يقوي النظر لأنه يحتوي على نسبة عالية من الفيتامين أ وهو ضروري جداً لتعزيز صحة العين، ونقصه قد يؤدي إلى جفاف ملتحمة العين وهذا مرض يؤدي إلى تضرر النظر وقد يؤدي إلى العمى. المعلومة ظهر أنها صحيحة ولكن المشكلة في طريقتي أو طريقة كثير من العامة لفهمها، فنحن نفهمها هكذا: الجزر هو المصدر الوحيد لتعزيز النظر. أو هكذا: من فقد الجزر فقد النظر. والأمر ليس كذلك، فالفيتامين أ موجود في الكثير من الأغذية، فحبة البطاطا الحلوة المخبوزة مع قشرتها فيها نسبة من الفيتامين أ أكثر من الجزرة الواحدة، أيْ أن قولك: "البطاطا الحلوة تقوي النظر" عبارة صحيحة تماماً، وقد يحصل الإنسان على الكمية التي يحتاج إليها من فيتامين أ دون أن يأكل الجزر نهائياً، يحصلها من البيض والشمام والسبانخ والبروكلي، وغيرها من الأطعمة. طيب ما علاقة هذا الكلام بمواضيع القناة المعتادة؟ الجواب: العلاقة في أن هذه قاعدة ينبغي أن تفهم وتحل إشكالات كثيرة وتبعد استدلالات ضعيفة كثيرة عن محل النزاع وهي: أن كون الشيء مصدراً لفائدة معينة فذلك لا يعني أنه المصدر الوحيد أو حتى الرئيسي، ولكن قد يكون المصدر الأشهر في زمان ومكان معين، ولهذه القاعدة أمثلة كثيرة منها: المثال الأول: يكثر في جدليات منكري السنة أنهم يتعجبون كيف كان الناس يتعبدون قبل تصنيف صحيح البخاري الذي تأخر زمانه نسبياً! فيكون الجواب: صحيح البخاري هو المصدر الأشهر للأحاديث الصحيحة، واجتمع فيه من الأخبار الصحيحة ما لم يجتمع في مصنف غير مصنفه من مصنفات أقرانه، ولكن الأحاديث الصحيحة كانت تذكر وتروى قبله، لهذا هو كان يرويها بإسناد. وما من فقيه من الفقهاء المشهورين إلا واحتج بأحاديث على مخالفيه كمالك والشافعي والليث والأوزاعي وأهل الرأي وأحمد وإسحاق وغيرهم، وكلهم متقدم على البخاري والذي فعله البخاري الجمع والترتيب. سبب هذا الاستشكال أنه فهم من قول القائل (صحيح البخاري عامة ما فيه صحيح) ما يلي (لا يوجد صحيح خارج صحيح البخاري أو قبله، ولا يمكن جمع مادة الصحيح من كتب أخرى تقدمت عليه أو مادة أقرانه) وهذا نظير من يفهم من كلمة (الجزر يقوي النظر) أن (الجزر هو المصدر الوحيد لتقوية النظر، ولولا الجزر لهلك النظر) وأصلاً قد يأكل المرء الجزر وجسمه قد أخذ كفايته من الفيتامين أ من أطعمة أخرى، ولكن الجزر يتميز بأنه يوفر لك المادة التي تحتاجها من أكل كمية قليلة منه. فكذلك لو قدر أن بلداً لا جزر فيها فلن يكون أهلها عمياناً، وكذلك لو قدر أن بلداً لا يوجد فيها الصحيح ولكن فيها كتب الفقهاء المتقدمين وكتب حديث أخرى فلن يكون أهلها عاجزين عن العبادة. المثال الثاني: العبارة المتكررة عند كثير من المشتغلين بالعلم (هذا الكتاب لا يستغنى عنه) ويكون هذا الكتاب نافعاً ولكن الذي يحتاجه فئة معينة من طلبة العلم باهتمامات خاصة، وجل المادة التي فيه متوفرة في مصادر أخرى، وإنما حظه الجمع والتلخيص، ولهذا كثير من المصنفات المتأخرة المشهورة يكون سبب شهرتها إما شهرة مؤلفها أصالة، وقد توجد مؤلفات أكثر إتقاناً، ولكن لأناس أقل منه شهرة، أو لحفاوة هذا المصنف عند سلطة ما، أو لكونه في بلد من برز فيها اشتهر، أو لكون الكتاب هو الأيسر والأقرب عبارة، والناس يحبون السهل ولو كان التحقيق فيه ضعيفاً. ولهذا يمكن لبعض المتمكنين أن يغوصوا في كتب التراث ويجدوا بدائل لبعض الكتب المشهورة، وهذا ليس بعيداً، وقد حصل تاريخياً. كانت بعض البلدان أهلها يغيرون مذاهبهم إلى مذاهب أخرى فما بالك باستبدال بعض كتب الدرس بكتب أخرى. فيكفي أن يقال هذا الكتاب نافع وحقاً هناك كتب يقال فيها (لا يستغنى عنها) ولكنها أقل بكثير مما نظن بل كثير مما لا يستغنى عنه حقيقة لعالم محقق أو باحث جاد استغني عنه بحجة طوله أو صعوبته؛ وكم مادة مجموعة جعلها الناس مرجعاً، ولو حاولوا أن يرجعوا للمصادر القديمة ويجمعوا مادة باجتهادهم لوجدوا أن جامع هذه المادة فاته شيء كثير حجبهم عنه تقليدهم لهذا الجامع واكتفاءهم بمادته. =