هل نشفق عليه أم نغبطه إذ نفعه إيمانه؟
هل نشفق عليه أم نغبطه إذ نفعه إيمانه؟
مشهد الرجل الذي يحتضن ابنته ويودِّعها بعد أن فارقت الحياة بفعل القصف الإجرامي المدعوم دولياً من دول أكثرت التشدق بحقوق الإنسان.
هذا المشهد شرق وغرب، نظر إليه أناس نظرة شفقة وآخرون نظرة إجلال، وآخرون تداخلت عندهم المشاعر.
وأما أنا فحمدت الله على نعمة الإيمان والسنة وغبطته شيئاً ما.
فقد ورد في السنة أخبار في فضل من فقد ولداً قبل أن يبلغ الحنث، وأخبار في فضل الشهيد، وأخبار في فضل الصبر على فقد الولد مطلقاً، وأخبار في فضل من عال بنتاً، فكيف بفضل من صبر على فقدها وقد رآها تقضي أمامه.
وهذا الرجل اجتمع له كل هذا، فنسأل الله عز وجل أن يثيبه ثواب كل هذا.
قال مسلم في صحيحه 6734- [106-2608]: "حدثنا قتيبة بن سعيد، وعثمان بن أبي شيبة، واللفظ لقتيبة، قالا: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تعدون الرقوب فيكم؟ قال قلنا: الذي لا يولد له، قال: ليس ذاك بالرقوب ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا قال: فما تعدون الصرعة فيكم؟ قال قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: ليس بذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب".
قول النبي ﷺ: «ولكنه الرجل الذي لم يُقدِّم من ولده شيئاً»، يعني يسبقونه بالموت فيصبر على ذلك ويحتسبهم.
وقال مسلم في صحيحه 6794- [154-2635]: "حدثنا سويد بن سعيد، ومحمد بن عبد الأعلى، وتقاربا في اللفظ، قالا: حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن أبي السليل، عن أبي حسان، قال: قلت لأبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: قال: نعم، صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه، أو قال أبويه، فيأخذ بثوبه، أو قال بيده، كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، فلا يتناهى، أو قال فلا ينتهي، حتى يدخله الله وأباه الجنة".
وقال النسائي في سننه [2088]: "أخبرنا هارون بن زيد وهو ابن أبي الزرقاء، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا خالد بن ميسرة، قال: سمعت معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره، فيقعده بين يديه، فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مالي لا أرى فلانا؟» قالوا: يا رسول الله، بنيه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن بنيه، فأخبره أنه هلك، فعزاه عليه، ثم قال: «يا فلان، أيما كان أحب إليك أن تمتع به عمرك، أو لا تأتي غدا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك»، قال: يا نبي الله، بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي لهو أحب إلي، قال: «فذاك لك»".
وهذا الحديث يدل على أن العدد لا مفهوم له في حديث أبي هريرة، يعني أن الفضل ثابت حتى بموت الواحد، ولكن مَن تكرر له الأمر فإن فضله آكد.
وهذا فيمن مات حتف أنفه فكيف بمن مات بقصف عدو كافر، وذلك حال شهادة فالشهادة ليست مختصة بالمعركة.
قال البخاري في صحيحه [1890]: "حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم".
وقد استجيب دعاء عمر بإجماع إذ قتله أبو لؤلؤة المجوسي وهو يصلي، ولم يكن ذلك في أرض المعركة.
وقد ورد في خبر أبي الدرداء عند أبي داود: أن الشهيد يشفع لسبعين من أهله، وليس هذا مستغرباً في فضل الله عز وجل فقد قال تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء}، فهذا يدل على أن القرابة قد تنفع مع تحقُّق الإيمان والعمل في القريبين.