كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

في رحاب تربية النبي ﷺ لأصحابه على الأدب مع الأنبياء.

المصدر
في رحاب تربية النبي ﷺ لأصحابه على الأدب مع الأنبياء. حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تفضلوني على يونس بن متى ) تكلم الناس كثيرا في معناه واستغرب كثيرون مأخذ الحديث لأن النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) وما سر تخصيص نبي الله ( يونس ) عليه الصلاة والسلام بالذكر ؟ فيقال : هذا باب جليل لو تدبرته فإن نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام له ذكر خاص في القرآن يختلف عن أحوال بقية الأنبياء ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا ) حتى أن الإمامية الذين يغلون في عصمة الأنبياء يروون روايات تخالف أصولهم فيها سوء أدب معه وأنه ابتلعه الحوت لأنه كره ولاية علي وبعض المفسرين اختار أن الأنبياء كلهم من أولي العزم إلا نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام فذكر مقارنته مع النبي صلى الله عليه وسلم له مناسبته أن نبينا لين صبور وأن ذا النون ليس كذلك فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المقارنة التي فيها حط على نبي من أنبياء الله فالمفاضلة لها بابان باب فيه ملاحظة فضل الفاضل مع الاعتراف بفضل الجميع وهذا الوارد في النصوص ، وباب فيه مشاهدة عيب المفضول والتركيز عليه فهذا السياق المنفي في الحديث وهذا أدب الحاجة إليه شديدة في هذه الأيام فكم من فاضلين كانا على طريق واحد في الجملة فما زال الناس يقارنون بينهما إما على جهة الانتقاص من أحدهما لحظوظ نفس أو على جهة الغلو في الآخر حتى وصل الأمر إلى هذين الفاضلين وصار الواحد منهما يتكلف إظهار فضله على الآخر ولو بالحط عليه إما بباطل محض أو بحق ولكنه يزيد فيه حظوظ نفسه والنَّاس الْيَوْم فيهم نفرة شديدة من الشدة واللين مطلوب فالجاهل والمسترشد محتاج إلى من يلين معه ويحتمل جهله حتى يعلمه غير أن كثيرا من الناس لا يقنعون حتى يبالغوا في هذا الباب ويدخلون فيه اللين مع كل مقصر أو مبطل وحتى تزاحم حقوق البشر حقوق الله عز وجل ( وهذا يكثر في زماننا الذي يؤنسن فيه الدين يعني يصير المركز فيه للإنسان على أي حال كان ) ولهذا يبالغون في ذم الشدة بِمَا لا يصدر منهم في شأن الكفر والبدع المغلظة وهذا الضرب من الناس هُم من قد يقع منهم الضرب المنهي عنه من المقارنات في حديث ( لا تفضلوني على يونس بن متى ) يعني الدرس العام لا يحملكم ما ترونه من شدة فاضل على أن تغمطوا حقه وتصغروا من شأنه ولا تستخدموا الفضلاء الآخرين في ذلك وإن كانوا أفضل منه قطعا بنص من الله فما بالك بمن هُم دون ذلك وليس معنى هذا ألا يوعظ الإنسان باللين في موضعه ويذكر له من أحوال الأنبياء والصالحين ما يأخذه لهذا اللين ، وإنما المنهي عنه المبالغة في هذا الباب إلى حد الحط الشديد بِمَا يدعو إلى بطر الحق وغمط الناس خصوصا من مات منهم أو استخدام هذه المقارنات لإيغار الصدور بين الأخوة أو الأقران وهذا معنى دقيق يحسّن التنبه إليه.