بين حدوث الأعيان وحلول الحوادث (ما جهله المتكلمون من بيان القرآن العظيم).
بين حدوث الأعيان وحلول الحوادث (ما جهله المتكلمون من بيان القرآن العظيم).
قال الله تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون}
هذه الآية على وجازتها لو تفكر فيها أهل الكلام لارتاحوا من كثير من رهقهم الذي بنوا عليه مقدمات باطلة.
فالقوم عندهم شيء أسموه دليل الحدوث، وشرحه وشرح أساليبهم فيه يطول، غير أن الذي يهمني هذه الصياغة (أن ما حلت به الحوادث فهو حادث، والحادث لا بد له من محدث) والذي بنوا نفي الأفعال الاختيارية لله عز وجل عليه، وقد يكون فهم هذا الأمر صعباً على عامة القراء، وسأحاول تقريبه.
فإن كثيراً ممن يناظر الملاحدة يعتمد على هذا الدليل، ويظن أنه لو سقط فقد سقطت الحجة على القوم، والأمر أقرب من هذا بكثير، وسأقرب الكلام بمثال تقريبي: أنك لو أردت أن تثبت أن هذا الشيء حادث فأثبت أنه تقوم به صفات متغيرة، فتارة تجده متحركاً، وأخرى تجده ساكناً، فهذا حلول حوادث، وبما أنه كذلك فهو حادث، لأن هذه الصفات المتغيرة ستكون ملازمة له، وهي لها بداية ونهاية، فكذلك وجوده. وإذا قلنا أن وجوده قديم ليس حادثاً فهذا معناه أن هناك سكون قديم أو حركة قديمة، وهذا جمع بين النقيضين فهما حادثان ضرورة.
ومع ما يظهر من ضعف هذا الاستدلال فإن القديم (الأول الذي لا بداية له) قد يكون له أفعال اختيارية وجنسها قديم دون أن تكون أفرادها كذلك، فحكم الجنس لا ينطبق على الأفراد ضرورة، فمثلاً أفعال أهل الجنة أو أهل النار كل فعل منها له بداية ونهاية، ولكن جنس أفعالهم (والجنس يعني المجموع) لا نهاية لها، فهنا الفرد غاير حكم الجنس، وكذلك في أفعال الله عز وجل، كل فعل له بداية ونهاية ولكن جنس الأفعال لا بداية له ولا نهاية.
والآية ترشد أهل الكلام وغيرهم إلى ترك الحديث عن ضرورة حدوث (الحركة والسكون) إلى الحديث عن ضرورة (حدوث أعيان الأشياء)، وهنا سيظهر البرهان على الخالق وأفعاله وحكمته جلياً.
فقوله: {وكنتم أمواتاً فأحياكم} معناه أنكم كنتم تراباً ثم صرتم أنتم هذا التراب ففني عين التراب وظهر عين الإنسان بعد إن لم يكن {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً}.
حدوث العين أمر مشاهد ضروري (فحتى الملاحدة يزعمون أن الكائنات الحية وجدت بعد إن لم تكن، وأصلها من جمادات) وبه يتم الدليل، ودعني أقرب لك الأمر:
تحول الماء إلى بخار هنا الماء هو العين (أ) والبخار هو العين (ب).
لا يمكن أن يكون البخار هو الذي قام بهذه العملية لأنه لم يكن شيئاً في بدايتها، ولا يمكن أن يكون الماء هو القائم بهذه العملية لأنه لم يكن شيئاً عند نهايتها.
{أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون}، كلا الأمرين مستحيل (فالعدم لا يفعل، فلا يمكن أن يكونوا خلقوا من غير شيء)، وأيضاً لا يمكن أن يكونوا هم الخالقون، لأن أعيانهم ما كانت موجودة أصلاً حتى تفعل، وإنما سبقها أعيان مختلفة.
وهذا محل وفاق بين العقلاء، ولهذا في مثال الماء والبخار الكل متفق على أن هناك عاملاً خارجياً هو الذي يحول الماء إلى بخار.
وفي مثال الإنسان الأمر أبلغ، ويأتي لتتميم الحجة الحديث عن امتناع تسلسل المؤثرات، بمعنى أنه ما دام حدوث العين (مثل ولادة الإنسان) لا بد له من سبب خارجي أو مؤثر، هذا المؤثر هل هو حادث (يعني وجد بعد إن لم يكن) أم قديم (يعني لا بداية لوجوده)، فإن كان حادثاً (وجد بعد إن لم يكن) سنسأل السؤال نفسه في سبب وجوده، وهكذا تتسلسل الأسباب حتى تصل إلى الخالق الأول الذي لا بداية له، وإلا لتسلسل الأمر إلى ما لا بداية وهذا يستحيل.
ودائماً يضربون مثلاً لهذه القضية، فيقولون على سبيل المثال لو أنك ذهبت تطلب مالاً من إنسان، فقال لك لا أعطيك حتى يأذن فلان، وفلان لا يعطيك حتى يأذن فلان، وهكذا. فلن تأخذ المال البتة حتى يصل الأمر إلى إنسان يأذن، ولا يحتاج لإذن غيره.
نحن قبضنا المال (وهو هنا وجود عين الإنسان المحدث) فعلمنا ضرورة أن الأمر وصل إلى من لا يحتاج إلى إذن غيره (وهو هنا من لا نحتاج إلى السؤال من أين جاء، أو ما السبب في وجوده، لأن وجوده لا بداية له وهو رب العالمين).
فالتسلسل المستحيل اتفاقاً هو تسلسل الفاعلين، وأما تسلسل الأفعال للأول الذي لا بداية له فكلنا يثبت لله عز وجل أفعالاً في خلقه لا نهاية لها، مع أن كل فعل بعينه منها له بداية ونهاية، فكل فرد من أفراد الرزق والإنعام لأهل الجنة له بداية ونهاية (قالوا هذا الذي رزقنا من قبل)، وجنس إنعامه عليهم لا نهاية له (ما له من نفاد).
قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (8/ 306) : "ثم الطرق التي جاء بها القرآن خير من طريقة الأشعري وغيره، فإن فيها إثبات الصانع بنفس ما يشاهده الناس، من حدوث الأعيان المحدثة، وحدوث الأعيان مشهود معلوم، لا يحتاج أن يستدل على حدوثها بحدوث صفاتها، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث".
=
=
وقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة: "وجمهور العقلاء من الطوائف يخالفون هؤلاء، ويقولون الرب لا يزال يحدث الأعيان، كما دل على ذلك الحس والعقل والقرآن، فإن الأجسام الحادثة بالمشاهدة ذواتها، وأجزاؤها حادثة بعد إن لم تكن جواهر مفرقة فاجتمعت، ومن قال غير ذلك فقد كابر الحس والعقل. فإن كون الإنسان والحيوان مخلوقا محدثا كائنا بعد إن لم يكن أمر معلوم بالضرورة لجميع الناس، وكل أحد يعلم أنه حدث في بطن أمه بعد إن لم يكن، وإن عينه حدثت كما قال الله تعالى: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} وليس هذا عندهم مما يستدل عليه، بل يستدل به كما هي طريقة القرآن".
والبحث مع أهل الكلام أوسع من هذا، خصوصاً في دعواهم أن الأعراض هي التي تحدث فحسب. ولكنني أردت بيان ما يفيد المسلم حتى لا يغتر بهذا الفخ، بحجة الرد على أهل الإلحاد، ولم أعرض لأمر التركيب لأن من فهم الحدوث سيفهم التركيب أيضاً.
وقد كان عامة البشر عالمين بالخالق بمقدمات ضرورية، ومشاهدة حكمته في تكامل المخلوقات مع بعضها ظاهر، وهو سبحانه ما خلق إلا بقدرة وعلم وحكمة، وحكمته تقتضي البعث {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً} لهذا قال {ثم يميتكم ثم يحييكم}، فالآيات كانت تخاطب قوماً يعلمون أن الله خالقهم، غير أن هذه الحقيقة لا ينفعك فهمها إن لم تؤمن بأن مرجعك إلى الله، وتعمل على هذا الأساس.
وهذا الفصل أردت بيانه للعبرة، أن قوماً استهانوا بالقرآن وذهبوا لما يسمونه عقليات، فأورثهم ذلك مقدمات صعبة وحيرة شديدة، والأمر أقرب ما يكون في كلام الله عز وجل، وعلى هذا البلاء بنوا عقيدتهم في نفي الصفات، وبها قامت محنة القول بخلق القرآن، وحصل التفرق العظيم.
قال ابن تيمية في الصفدية شارحاً حالهم: "وظنوا أن حدوث الأعيان لا يحصل إلا بحدوث النوع، فالتزموا تعطيل الرب وتعجيزه في الأزل عن الكلام والفعال، وسلبوه صفات الكمال، فتسلطت عليهم السلف والأئمة ورثة الأنبياء بالتبديع والتضليل بل وبالتكفير، وانفتح عليهم من الفلاسفة سد الدهرية بعد أن كان مبنيا بزبر الحديد؛ فلا للإسلام نصروا ولا للكفار كسروا، ولا بحبل الله اعتصموا، ولا للكتاب والسنة اتبعوا، بل فرقوا دينهم وكانوا شيعا، واعتاضوا عن الشريعة الإلهية بما أحدثوا بآرائهم بدعا.
ومما يبين هذا أنه لما كان شواهد الافتقار في أعيان العالم، واحتياجها إلى الصانع بينة ظاهرة بل معلومة بالبديهة كان معلوما مع ذلك أن كلا منها محدث مخلوق، كائن بعد أن لم يكن في فطر العامة".
ما لم يزهد به عبد الله بن عمر
قال البخاري في صحيحه: "1323 - حدثنا أبو النعمان، حدثنا جرير بن حازم، قال: سمعت نافعا يقول: حدث ابن عمر أن أبا هريرة رضي الله عنهم يقول: «من تبع جنازة فله قيراط» فقال: أكثر أبو هريرة علينا،
فصدقت يعني عائشة أبا هريرة، وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله فقال ابن عمر رضي الله عنهما: «لقد فرطنا في قراريط كثيرة» فرطت: ضيعت من أمر الله".
أقول: حديث من تبع جنازة فله قيراط من أكثر الأحاديث التي فرح بها الصحابة الكرام حتى أنه قد رواه جمع، فرواه أبو هريرة وعائشة وثوبان والبراء بن عازب، وروي عن ابن مسعود موقوفًا، وروي عن أبي بن كعب وأبي سعيد وابن مغفل.
فاجتماع هذا العدد الكبير من الصحابة في حديث من أحاديث الثواب نادر ويدل على شدة غبطتهم بالخبر حتى أكثروا من إخبار مَن وراءهم به.
وقد جاء في عدد من طرق الحديث أن القيراط مثل أحد.
وقد يستغرب المرء هذا الثواب العظيم لعمل مثل اتباع الجنازة والصلاة عليها، غير أن المرء لو تأمل في هذا الأمر لوجد له مداخل كثيرة لفهم عظم الأجر:
أولها: أن في الأمر موعظةً ومواساةً وتذكيرًا بالمآل، إذ المرء ربما استحضر أنه سيكون التالي فيورثه ذلك سكينة وتقوى، وفي ذلك مواساة لأهل الميت في أمر عظيم يحل بهم.
ثانيها: أن الإخلاص عزيز في مثل هذا الأمر، فكثير من الناس يتبع الجنازة مجاملةً لأهل الميت ولا يستحضر الثواب، فأنفع ما للمرء أن يشهد جنازة من لا يعرف.
ثالثها: أن ملائكة السماء يستغفرون للذين آمنوا وما فعلوا ذلك إلا لعلمهم بمحبة الله عز وجل لذلك، وصلاة الجنازة استغفار للميت وقد يشفعون به ويكونون سببًا في دخوله الجنة.
رابعها: أن صلاة الجنازة فيها معاكسة لطريق أهل الإشراك المفتونين بالموتى وأهل القبور فإنهم يدعونهم ويتضرعون إليهم وأما صلاة الجنازة فهي دعاء للميت بقصد النفع له لا طلب المنفعة منه.
والذي لفت نظري قول عبد الله بن عمر: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة".
وابن عمر حصَّل فضل الصحبة والجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أهل قيام الليل، وكان سخيًّا، وقد ثبت أنه ما مات إلا وأعتق ألف نفس.
فهو مع كل هذه الأعمال الصالحة تراه يتحسر على ثواب اتباع الجنازة، وفي رواية مسلم: "فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة".
وتجد المرء منا ليس له عشر معشار هذه الأعمال الصالحة وتراه زاهدًا بثواب الأعمال الصالحة ويتململ، وإذا حدثه أحد بهذه الفضائل تضايق وأحب أن يحدثه عن أمور الاقتصاد والسياسة والاجتماع (وهذه الأمور من الدين ولكن لا يصلح أن يهمل غيرها).