من جديد : مع قول المعتزلة في تعريف الحكمة وأثره في سوء تصور كثير من أهل العصر لل
من جديد : مع قول المعتزلة في تعريف الحكمة وأثره في سوء تصور كثير من أهل العصر للدين وتولد الشبهات عندهم
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (8/431) :" وإذا عرف هذا فالناس في " مسألة التحسين والتقبيح " على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط.
الطرف الواحد: قول من يقول: بالحسن والقبح ويجعل ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له ولا يجعل الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء من الصفات فهذا قول المعتزلة - وهو ضعيف - وإذا ضم إلى ذلك قياس الرب على خلقه فقيل: ما حسن من المخلوق حسن من الخالق وما قبح من المخلوق قبح من الخالق ترتب على ذلك أقوال القدرية الباطلة"
أقول : بيت القصيد قوله : ( ولا يجعل الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء ) هذا هو البلاء الذي ولد الكثير من الشبهات عند الناس بعدما صاروا لا يعرفون حسن الأشياء وقبحها إلا من خلال المصالح المادية الحاضرة
فعلى سبيل المثال اعتبار حد الردة شبهة مبني على مقدمتين
الأولى : أن الناس لا يكفرون إلا لشبهة قوية لا أحد يكفر لهوى أو لدنيا أو لمصلحة وهذه مقدمة مرفوضة تماماً ولو كان الأمر كذلك ما عاقب الله الكفار بالنار ولهذا من تقوم هذه الشبهة في نفوسهم يحاولون تضييق دائرة الكفر والدخول في النار أشد التضييق وأصل الشبهة مبني على أنسنة الإله واتهام نصوصه بعدم الوفاء بالمقصود وتأليه الإنسان واعتباره كاملاً منزهاً عن الهوى الذي يفسد التفكير فجعلوا الكامل ضرورة ناقص وجعلوا الناقص ضرورة كاملاً
ولو أن هذه المقدمة انتفت لانتهت الشبهة فإن من في قلبه شهوة يجوز أن تضع في مقابل هذه الشهوة عقوبة تبطل هذه أثر الشهوة بمقابلتها ويستقيم مع ذلك التفكير فإن الشهوة الجامحة تؤثر على سلامة الفكر وإن كان المرء ليس معذوراً بهذا ولكن تقويمه رحمة وإعانة له على نفسه
الثانية : عدم اعتبار المصلحة الدينية أصلاً فالشرع ( كاشف ) عن المصالح الدنيوية فحسب ومن هنا تعلم قيمته عندهم ولكنه ليس سبباً في حسن أي شيء أو قبحه وكأن الآخرة لا تأثير لها في واقعنا
والأمر نفسه إذا جئنا إلى شبهة الرق هي مبنية على هذا الأصل مع نفس إنسانوي فلو قلنا المصلحة في الاسترقاق أن المرء المسترق عند المسلمين يكون أقرب للإسلام من غيره ولهذا بمجرد ما يسلم يصير عتقه من أعظم القربات ( فتحرير رقبة مؤمنة ) وقد أعتق عمر كل من صلى مع منافع أخرى يستقيم الأمر
وكذلك أحكام أهل الذمة إنما جاء الإشكال عليها من انتفاء المصلحة الدينية في النفوس ويا ليت شعري إذا كنا نرى الدين فوق كل شيء وهو الذي يتعلق به مصيرنا في الآخرة كيف لا يكون له أثر في الأحكام
لهذا وجد اليوم من يعلق المصير في الآخرة على أعمال الخير بالمعنى الإنسانوي ومقياس اللذة والألم لا على أساس الدين والموقف من رب العالمين لما استقر في نفسه أن الدين قيمته في أنه كاشف عن مصالح دنيوية حاضرة لا كونه هو المصلحة العليا وكل شيء قيمته في أنه يؤدي إليه
والمعتزلة ليسوا كمثل الإنسانويين اليوم وإن كانوا فتحوا لهم الباب فهم يؤمنون بمصلحة دينية ولكنها متعلقة بحفظ الدين ظاهرياً وأما المعاني القلبية المتعلقة بالعلاقة مع الله فهذه هم عنها بعداء لداعي التجهم مع أن النصوص تعلل بهذا الأمر
قال تعالى : ( ونأخذهم بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ) ذكر من حكمة وجود الشر في الدنيا إلجاء العباد للتضرع لله عز وجل ودخولهم في مقامات المحبة والرجاء والخوف منه سبحانه وكم من شخص كانت له حاجة فلجأ للدعاء فوجد من اللذة والأنس بالله ما هو أعظم من حاجته فسبحانه يمنعك المصلحة الدنيا لتحصل العليا
وقال تعالى : ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين )
فعلل وجود الكفار وتغلبهم أحياناً بأنه سبحانه أراد من ذلك أن يرفع درجة من يرفع من المؤمنين ويكونون شهداء وكذلك كثير من أحوال المؤمنين مع الله والأجور العظيمة التي يجدونها يوم القيامة متعلقة بوجود الكفار والشر وصراع الحق مع الباطل
وقال تعالى : ( لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) وخلاصة هذه الآية أن الشر الذي في الدنيا من حكمته ألا تركن القلوب الركون التام للدنيا فإن في ركونها لها فساد للعباد وغفلة عن الدار الآخرة فكان البلاء فيها كالملح الذي يصلح الطعام وإن كان وحده متعذر أكله
ومن هذا الباب حادثة إبراهيم مع ابنه الذبيح إنما كانت لبيان استحقاق إبراهيم لمرتبة الخلة وكونه عليه الصلاة والسلام يحبه الله وهو يحب الله ويقدم حب الله على كل شيء
ففهم الدين على أنه مجرد ( كاشف ) عن مصالح حددت وفقاً لمنظومة أصلاً مبنية على هدم الدين بلاء مبين فاش بين الناس ، وإلقاء الشبهات على الدين وفقاً لهذه النظرة أيضاً بلاء وكثير من أصحاب الشبهات كان مبدأ تدينهم أنهم آمنوا بهذه النظرة فلما رأوا ما يناقضها من الأحكام اعتبروها شبهات لا بد من الجواب إليها وإلا تزعزع الإيمان عندهم