كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

فكرة (تكافؤ الأدلة) في الفقهيات بمعنى أنه لا يوجد حق موضوعي، ظهرت من بعض المتكلم

المصدر
فكرة (تكافؤ الأدلة) في الفقهيات بمعنى أنه لا يوجد حق موضوعي، ظهرت من بعض المتكلمين من المعتزلة والأشعرية. وهذه الفكرة تخالف الوارد في القرآن {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}[النساء]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران) وفكرة (لا إنكار في مسائل الخلاف) جاءت فرعاً عن هذا الاعتقاد، فنعم هناك مسائل اجتهادية لا إنكار فيها لخفاء الدليل فيها، غير أن هناك مسائل خلافية، ومع ذلك الحق فيها اتضح وإن كان خفياً في بعض الأزمنة والأمكنة. قال ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى: "وقولهم مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل، أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة، أو إجماعا قديما وجب إنكاره وفاقا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة، أو إجماع وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار كما ذكرناه من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة، وإن كان قد اتبع بعض العلماء. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ ينكر على من عمل بها مجتهدا، أو مقلدا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس - والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا، مثل حديث صحيح لا معارض من جنسه فيسوغ له - إذا عدم ذلك فيها - الاجتهاد لتعارض الأدلة المتقاربة. أو لخفاء الأدلة فيها وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف". ولهذا تجد بعض أدعياء المذهبية يتضايق من كلمة (أي المذاهب أقرب إلى السنة) مع أن هذا لا يقتضي ضرورة ذم أحد المذاهب، فالصحابة فاضلوا بين أبي بكر؛ وعمر؛ وعثمان، وأفضلية الشخص أو المذهب لا تعني أن قوله صواب في كل مسألة، وإنما الكلام عن المجموع أو الغالب. ولكن لما كان مستقراً عندهم فكرة تكافؤ الأدلة رفضوا هذه المفاضلة. فكرة تكافؤ الأدلة مناسبة لزماننا جداً، فهي فكرة مدعومة من الثقافة السائدة التي تتمركز حول الإنسان، ولا يوجد فيها أي حقيقة مطلقة، وتقريباً هناك إنكار وجحود لوجود عناد، أو مكابرة للحق عند البشر. بل كل الآراء مقبولة. وكذلك التيارات الحركية ترى أن التوسع في العلوم بقدر ما يشغل الناس عن مشاريعهم، وبالتالي تجدهم يطرحون في كل خلاف لا يخدم مشروعهم فكرة تقارب تكافؤ الأدلة. وكذلك الدولة الحديثة ككل لا تحبذ أي ولاء وبراء، أو تشديد في قضايا لا تخدم مصلحة الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكأن هذه الدولة هي الفردوس المنشود الذي ينبغي أن نضحي بكل شيء لأجله حتى عقيدتنا. هذا الضغط من كل هذه الجهات استجاب له جهات علمية عديدة، وما اكتفوا بحرب الغلو فحسب، بل زادوا حتى جاءوا بأطروحات تسامحية واسعة، تجعل العلم لا قيمة له، وتظهر عامة علماء الأمة على مر الأعصار بصورة الغلاة والمتحجرين والمتعنتين. وهذه الأطروحات خطيرة على العلم أكثر من الغلو بكثير، وتجعل الدين أرق من ثوب سابري (كما قيل في الإرجاء) ومن خبرها وتعمق بها فإنه يزهد بالعلم، وهذا الزهد يكون سبباً لفشو الضعف العلمي الذي يهيء لولادة أي ضلالة، ثم بعد ذلك التوسع الإعذاري حاضر. أنا هنا لا أحاكم بين صاحب الصواب اللغوي ومخالفيه، وإنما أود أن أدعو للتخلص من هذا النفس في البحث العلمي، فإنه مضجر حقاً، ومؤذن بوجود غلو مضاد. وهناك فرق بين (نقد الغلو) والدعوة (لتكافؤ الأدلة) فرق ظاهر بين (ضبط الباب) و (هدم الباب). فرق بين البحث البعيد عن المقدمات المسبقة، والبحث البعيد فقط عن مقدمات معينة مع استبطان الخوف من وسم التشدد والغلو.