كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ما تجهله العلموية المؤمنة.

المصدر
ما تجهله العلموية المؤمنة. هذا التنبيه أو هذه الخاطرة آثرت أن أكتبها كتابة ولا أسجلها صوتياً حتى يتم التأمل فيها بشكل أكبر العلم الحديث مبني على هذه القاعدة: (أعطني معجزة واترك لي البقية) المعجزة هي نظرية الانفجار الكبير حيث بدأ الزمكان في اعتقادهم وتدرَّج في الوجود حتى وصلنا إلى الكون الحالي هذه هي المعجزة الوحيدة التي يُسمح للعلموي أن يُؤْمِن بها ثم بعد ذلك ينبغي أن يفسِّر كل شيء في الكون مستبعِداً أي أثرٍ خارق للعادة يحب العلموي أن يبحث المسائل هكذا (الانفجار الكبير وما بعده) والواقع أن التفكير السليم يقتضي أن نبحث مِن أين جاء الانفجار الكبير أولاً وفي اعتقادي الجازم أن إثبات حدوث الكون أو الافتقار للخالق ليس محتاجاً إلى الإيمان بنموذج الانفجار الكبير (وهو ليس يقينيّاً) فإثبات حدوث أي شيء في الكون مثل ولادة مولود سيأخذنا إلى سؤال من أين جاء هذا المولود فإن كان جاء من سبب حادث (يعني وُجد بعد أن لَم يكن) سألنا من أين جاء هذا السبب الحادث لأنه يمتنع أن يوجد مِن العدم فالعدم لا يفعل ويمتنع أن يكون أوجد نفسه فهذا دور إذ أنه لَم يكن موجوداً ويستحيل أن يكون الحادث متسلسلاً في سلسلة لا بداية لها من الأسباب الحادثة فإن ذلك يقتضي عدم وجود الشيء أصلاً فأنت مثلاً إذا كان قبضك للجائزة متوقفاً على إذن شخص وهذا الشخص ينتظر إذن آخر وهذا الآخر ينتظر إذن آخر إلى ما لا بداية فإن قبضت فهذا يدل على أن الأمر وصل إلى شخص لا ينتظر إذن أحد وإلا لن تقبض إذا تسلسل إلى ما لا بداية والأمر هنا نفسه وجود حادث مفتقِر سيتسلسل إلى أن نثبت الخالق الغني الأول الذي لا بداية له فلا نحتاج إلى السؤال من أين جاء؟ ونخرُج مِن المحالات الثلاثة (وجود شيء حادث بلا سبب أو إيجاد شيء حادث لنفسه أو تسلسل الفاعلين إلى ما لا بداية) ولا نحتاج إلى إثبات حدوث الكون بطريقة تجريبية أصالة ولكن لنمشي مع مثبتي هذا الأمر حدوث الكون يقتضي ضرورة وجود الخالق (بل حدوث شيء من الكون بشكل يقيني يقتضي ذلك) وهذه المسلَّمة يتجنَّبها العلميون الملاحدة وأما العلميون المؤمنون فيقرُّون بها ولكن هناك مشكلة لها عند هؤلاء وهي أن قاعدة (أعطني معجزة وأعطيك البقية) لن تكون سليمة ولا يقينية في ظل إثبات الخالق بقدرته الخارقة التي أوجدت الكون وقد عبَّر ستيفن هاوكنج عن قلقه هذا في كتابه الكون في قشرة جوز حيث قال ما معناه: إذا كان الله خلق الكون فهو قادر إذن على أن يتدخل في أي وقت وهذا يجعل عموم حساباتنا محل شك. قال هذا الكلام في معرض بيانه أنه لا بد أن نخرج من اللوازم اللاهوتية لنظرية الانفجار الكبير وهذا في الواقع شبه مستحيل فالأمر يلزمهم قطعاً وخذ مثالاً لتقريب هذا الأمر حساب عمر الكون لن أدخلك في كل تلك المقدمات المعقدة والتي طالما تناقضت نتائجها ولا يغرَّنك ما تسمعه من مبسِّطي العلوم فعادتهم الاختصار المخلّ ويعطيك نصف الحقيقة ثم إذا تعلمت طرح الأسئلة لماذا هذا هكذا ولماذا هذا هكذا سينكشف لك قدر الغموض الموحي بالتحيُّز في عدد من المعطيات المحورية ولكنني سأقرب لك الأمر جداً بمثال ليس وافياً ولكن يشرح القدر المراد شرحه من الفكرة تصوَّر أنك وجدت شخصاً يمشي في ميدان بسرعة ثابتة (هذا الشخص يرمز للكون وتمدُّده فيما يرَوْن) أنت لَم تر هذا الشخص في بداية مشواره وتريد أن تعرف متى بدأ فنظرت إلى سرعة مشيه وافترضت أنه يمشي بها من البداية وهكذا افترضت أنه يتراجع بنفس السرعة حتى يعود إلى نقطة البدء هذا الحساب سيكون صحيحاً في الغالب ولكنك إذا علمت أن هذا الشخص لا يمكنه دخول الميدان لوحده بل جاء بوسيلة استثنائية لنقل طيارة أو سيارة فمِن أين لك أن هذه الطيارة أو السيارة وضعته على نقطة البدء ثم تركته يمشي بقدرته الخاصة فربما تكون مشت به مسافة معينة ثم أنزلته فهي كما أوصلته للميدان بشكل استثنائي قادرة على أن توصله إلى منتصف الميدان بشكل استثنائي هذا ممكن عقلاً وإمكانه العقلي متفرِّع عن حقيقة وجود تلك الوسيلة الخارقة هذا ما عناه هاوكنج تماماً فوجود الخالق بصفته خالقاً للكون يجوِّز وجود فعل خارق في بداية الخليقة وهذا الفعل هو أهون مِن أصل الخلق ويجعل حساب عمر الكون الذي يفترض سير الكون بسلوك واحد منذ بدايته قياساً ظنيّاً في مقابل إمكانٍ عقلي هذا الممكنُ عقلاً إذا جاء النص بوجوده أو جوازه حتى لَم يكن ذلك أمراً مشكِلاً فالعلم الحديث دلَّ على وجود الخالق ومن مقتضيات وجوده وجود أفعاله المؤثِّرة في سيْر القوانين واللطيف أنهم أنفسهم يقبلون القول بجواز تأثير الطاقة المظلمة على سرعة التمدد مما يؤثر تأثيرات نوعية في حساباتهم وبقي أمر ألا وهو قولهم إذا قلنا بتأثير الإله فإن ذلك سيعطِّل سيْر العلم فيقال: لَم يتعطل سير العلم عند إثبات حدوث العالم المقتضي للخالق الفاعل المختار = = والعلم إنما يتعامل مع المشاهَد أمامه فنحن حين نرى ذاك الرجل يجري في الميدان فتعامُلنا معه واحد سواء اعتقدنا أنه بدأ قبل شهر أو عام أو عشرين عاماً حتى فلا داعي للخلط بين النظريات التفسيرية للأحداث القديمة والتي مهما اختلفت فإن ذلك لا يؤثِّر على الواقع شيئاً (وقد اختلفت تقديرات العلماء لعمر الأرض مثلاً بشكل كبير جداً وما ضرَّ ذلك العلم التجريبي شيئاً) وبين التعامل مع الواقع والاستفادة منه وعند تفسير أصول الأشياء لا بد من إعمال القياس وهو عملية عقلية والقياس القائل الكون يتصرف الآن كما تصرَّف قديماً اسمه قياس تمثيل والقياس القائل الخالق الذي أوجد الكون بشكل خارق أهون عليه أن يعمل عملاً مؤثِّراً في مبدأه اسمه قياس أولى وهو أقوى لأن الأول غايته استواء الطرفين وأما الثاني فهو يثبِت قضية فرعية هي أهون من قضية أصلية ثابتة ولهذا لمَّا أنكر كفار قريش البعث كانوا مثل العلمويين فقط ينظرون إلى طبائع الأشياء وينسون قدرة الخالق فجاء البيان الإلهي (هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) وهذا قياس أولى. والانحياز للنماذج التفسيرية التلقائية اللاغائية لا يتناسب نهائياً مع الإيمان بخالقٍ قادر عالم مختار والكفر بالخالق لا يتناسب مع الإيمان بحدوث العالم أو سيره في قوانين. نداء إلى مدخلي الشاملة يرجى إصلاح هذا الغلط. ( العقيدة رواية أبي بكر الخلال ) هذا الكتاب الجديد وجدت الكثير من الشباب والباحثين ينقلون عنه اعتماداً على الشاملة وفي الواقع لا وجود لكتاب بهذا الإسم وإنما هذا هو اعتقاد التميمي الذي نسبه إلى الإمام أحمد أخطأ مدخل الشاملة وسماه ( العقيدة رواية الخلال ) ثم انطلى هذا الخطأ على كثيرين بشكل عجيب فلو رجعت إلى أول صفحة في ( العقيدة رواية الخلال ) الذي في الشاملة فلن تجد للخلال ذكراً وستجد ما يلي : أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الطباخ البغدادي رحمه الله في الدنيا والآخرة إجازة قال حدثنا شيخنا الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن محمد بن علي البغدادي بها قال أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال أخبرنا عمي أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي بجميع هذا الاعتقاد وقال جملة اعتقاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه والذي كان يذهب إليه أقول : فلا ذكر للخلال كما ترى وأبو الفضل التميمي هذا متأخر عن الخلال وقد ذكر هذا الاعتقاد بلا إسناد وفيه غرائب لا تناسب طريقة الإمام أحمد والعجيب أن بعض الأشعرية في زماننا يستدلون ببعض الفقرات في هذا الكتاب علماً أن فيه تصريحات هامة تخالف مذهبهم ، وعلماً أنهم يطعنون في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية مع أن له إسناداً هو أحسن حالاً من هذا المعضل ، وبلغ ببعضهم إلى الطعن في كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد وهذا تخديش في الرخام وقد قال الذهبي في تاريخ الإسلام :" قَالَ أبو المعالي عزيزي: قَالَ أبو عَبْد الله الحُسين بْن محمد الدّامغانيّ: سمعتُ الشَّيْخ أبا الفضل التّميميّ الحنبليّ، وهو عبد الواحد بن عبد العزيز يَقُولُ: اجتمع رأسي ورأس القاضي أبي بَكْر الباقلاني على مِخدة واحدة سبع سِنين. قال أبو عبد الله: وحَضَر أبو الفضل التّميميّ يوم وفاته العزاء، وأمَر أن يُنادى بين يدي جنازة القاضي أبي بَكْر: هذا ناصرُ السُّنَّة والدّين، هذا إمام المسلمين، هذا الّذي كَانَ يذبّ عَنْ الشّريعة أَلْسِنةَ المخالفين، هذا الّذي صنَّف سبعين ألف ورقة ردًا عَلَى المُلحدين. وقعد للعزاء مَعَ أصحابه ثلاثة أيام، فلم يبرح، وكان يزور تُربته كلّ جمعة. قلت: ما هذا إلا وُد عظيم بين هذا الأشعريّ وبين هذا الحنبليّ، والتّميميّون معروفون بشيءٍ من الانحراف عَنْ طريقة أحمد، كما انحرف ابن عَقيل، وابن الْجَوزيّ، وابن الزّاغونيّ، وغيرهم. كما بالغ في الشّقّ الآخر القاضي أبو يَعْلَى، ونحوه" أقول : قصة صداقته مع الباقلاني راويها أبو المعالي عزيزي أشعري وقيل أنه كان لا يدري ما الحديث ، والدامغاني الذي يروي عنه ما وجدت له توثيقاً ولا ترجمة وافية سوى ثناء عابر لابن عساكر ومعلوم تعصبه للأشعري ولا أستبعد وقوع الأمر ولكننا إذا حاقننا على طريقة القوم فإن الأمر لن يكون سمحاً ومن المنقول في هذا الاعتقاد الذي رواه التميمي والذي يقتضي تضليل الأشعرية قوله فيه :" وكان يقول إن القرآن كيف تصرف غير مخلوق وأن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف وكان يبطل الحكاية ويضلل القائل بذلك وعلى مذهبه أن من قال إن القرآن عبارة عن كلام الله عز وجل فقد جهل وغلط وأن الناسخ والمنسوخ في كتاب الله عز وجل دون العبارة عنه ودون الحكاية له وتبطل الحكاية عنده بقوله عز وجل {وكلم الله موسى تكليما} وتكليما مصدر تكلم يتكلم فهو متكلم وذلك يفسد الحكاية ولم ينقل عن احد من أئمة المسلمين من المتقدمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين عليهم السلام القول بالحكاية والعبارة فدل على أن ذلك من البدع المحدثة" والكلام في العلو والوجه واليدين على غير سنن متأخري القوم لكنني انتقيت هذا لأنه يخالف طريقة المتقدمين منهم والمتأخرين فيرجى من مدخلي الشاملة تدارك هذا الخطأ وكتابة تنبيه في الأمر لأنني تعبت من كثرة ما أنبه أنه لا وجود لكتاب اسمه ( العقيدة رواية الخلال ) وإنما هو اعتقاد التميمي.