أثر الوحي في نصرة القضايا العادلة (حتى لا تصير المظلومية ظلمًا).
أثر الوحي في نصرة القضايا العادلة (حتى لا تصير المظلومية ظلمًا).
كثير من الظلم الذي وقع في هذه الدنيا خصوصًا في الأزمنة المتأخرة يكون تحت اسم (العدل) و (الانتقام للحق) أو المصطلحات العصرية مثل (محاربة الإرهاب) و (محاربة التطرف).
هذا النوع من الظلم تكون إدانته مترددة وخجولة لأنك قد يقال إنك ضد (العدل) و (الانتصار للحق)، والواقع أنك لست كذلك وإنما ضد المبالغة بحيث تصير المظلومية ظلمًا.
وتأمَّل هذا في أحوال اليهود اليوم، إدانة كثير من جرائمهم تجاه المسلمين قد يصنفها البعض تحت مسمى "معاداة السامية" ويُلحِق هذه الإدانة بما حصل من النازيين في حق اليهود في القرن الماضي.
وهذا أيضًا يحصل في مظلومية المرأة. ويحصل في حرب ما يسمونه "الإرهاب"، حيث يُقتل عشرات بل مئات الآلاف من الأبرياء باسم حرب الإرهاب، الذي هو مدان لأنه قتل للأبرياء بزعمهم.
واليوم باسم الحرب على "التطرف الفكري" تُرتكب جرائم علمية ومغالطات عجيبة وتحريفات للدين والحقائق، وإذا رددت على هذا اتهموك أنك مع المتطرفين فكريًّا، فإذا أدنت دعاوى مخالِفةً للشرع بل ولضرورة العقل -مثل دعوى الاندماج بين الأديان المختلفة عن طريق قراءات محرفة لها جميعًا- اتهموك أنك متطرف وإرهابي وتحضُّ على العنف، فإما أن تقبل بتحريفنا وتمييعنا وإما أنت مؤيد لكل شر موجود في العالم.
وأيضًا بحجة مظلومية عرق معين يتم تقبل أساطير لا حقيقة لها، مثل أسطورة (شيشناق) الذي رُفِع له صنمٌ من أناس ربما وجدت بعضهم يشكِّك في الأحاديث الصحيحة المتواترة، فإذا انتقدت هذا زعموا أنك تبغضهم أو تنتقصهم أو مع الظلم التاريخي لهم سواء كان ذلك حقيقيًّا أو ليس كذلك.
وفي مواطن عديدة من القرآن الإرشاد إلى كون عدالة القضية لا تعني التجاوز في نصرة الحق، وكذلك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان ينهى عن الغدر وعن المثلة وعن قتل النساء والأطفال وغيرها من المعاني.
غير أن هناك آية قد يغفل كثيرون عن دلالتها على هذا المعنى:
قال تعالى: {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين، قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم، قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين} [القصص]
أقول: الذي من شيعة موسى من بني إسرائيل والذي من عدوه من شيعة فرعون، وشيعة فرعون ظالمون لبني إسرائيل أصالةً، فقضية بني إسرائيل معهم عادلة.
ولكن نبي الله موسى لما رأى نفسه تجاوز في عقوبة العدو استغفر الله وتاب إليه.
فكون قضيتك عادلة في أصلها لا يبيح لك أن تفعل ما تشاء باسم المصلحة أو باسم العدالة الحمراء (كما يقول بعض اليساريين)، بل لا بد أن تلتزم بالشرع.
وقد كان في هذا موعظة من الله لبني إسرائيل الذين افتروا وقالوا: "ليس علينا في الأُمِّيِّينَ سبيل" فجوَّزوا لأنفسهم خيانة غير اليهودي، فإذا كان موسى ندم على قتل غير إسرائيلي من عدوه فكيف تستحلُّون أنتم أناسًا بينكم وبينهم عهود ومواثيق.
وفي قصة موسى أن بعض أهل الحق قد يقع منه نوع تجاوز يستغفر الله ويتوب منه، ولكن هذا التجاوز لا يعني أن قضيته ما عادت عادلة، خصوصًا إذا كانت قضية عقائدية.
ولكن أهل الباطل يركِّزون على مثل هذه الزلات ليوهموا الناس بطلان القضية من أصلها، كما فعل فرعون مع موسى حيث قال: {وفعلْتَ فَعلَتَك التي فعلْتَ وأنت من الكافرين}، وهذه عادة أهل الباطل في كل زمان، يُعظِّمون الزلة من أهل الحق ويَحرِفون الناس عن مسار البحث الأساسي ويسكتون عما يقع منهم ومن نظرائهم أو أسلافهم ممن يُعظِّمون، وهذه عادة العالمانيين في زماننا، وحاكاهم في ذلك جهمية عصرنا ومَن ناصرهم وجماعة ليست بالقليلة من الحركيين مع أنهم يمارَس هذا ضدهم باستمرار ولكن لا يعتبرون.