=
=
وقول أبي الحسين بتأثيم المخطيء فيها وأنه لا يقبل فيها التقليد مشكل وخطير.
فمعلوم أن المذاهب اختلفت في الأصول، فأصول أهل الرأي الحنفية مختلفة عن أصول أهل الحديث، وأهل الحديث فيما بينهم يوجد نزاع في بعض الأصول كعمل أهل المدينة.
قول أبي الحسين الذي أقره القرافي يقتضي قطعية أدلة مسائل الأصول لذا يؤثم المخالف، والفروع أصلاً تبنى على الأصول، فأنا مثلاً لو كنت مالكياً واجتهدت في عمل أهل المدينة فتبين لي أنه ليس بحجة فسيلزمني مخالفة المذهب في كل المسائل التي بنيت على عمل أهل المدينة.
ولو كنت حنفياً وبحثت في مسألة (الزيادة نسخ) وتبين لي أن الزيادة ليست نسخاً فسيلزمني مخالفة كل الفروع الفقهية التي بناها مذهبي على قولهم بأن الزيادة نسخ، وقد أوافق أصلهم وأرفض التفريع، فالاجتهاد في الأصل أهون منه الاجتهاد في التفريع.
وبالتالي لا تجتمع دراسة أصول الفقه وفقاً للطريقة الكلامية مع التقليد والتزام مذهب واحد وعدم الخروج عنه وفقاً للمعتمد، ومن عجائب غالب المتأخرين جمعهم بين الأمرين خلافاً لمن تقدم.
وقد قال ابن عقيل في الواضح في أصول الفقه: "اعلم أن علمَ ذلك فَرْضٌ على الكفاية دونَ الأعيانِ، والدَليلُ على ذلك: أن معرفةَ أحكام أفعالِ المكلفين المتوصَلِ إلى علمها بأصول الفقهِ وأدلَّةِ أحكام الفَقهِ، إنما هو على الكفاية دونَ الأعيانِ، وإنما على العاميِّ التَقليد في ذلك، والرجوعُ إلى قول العلماءِ".
فهنا جعل علم أصول الفقه خاصاً بالمجتهدين دون المقلدين، والاجتهاد في الأصول يؤثر على الفروع ضرورة، وإذا قسموا مسائل أصول الفقه إلى ظاهر وخفي سيلزمهم تقسيم الفروع هكذا، وسيبطلون التقليد في الأمور الظاهرة، وينتهون لقول ابن تيمية والذي سبقه إليه كثيرون، ولكنه هو فصل وأصل وبين أصل الإشكال، ومن هنا كان يقول بعض متأخري أهل الحديث لأحد الأزهريين: لماذا تعتنون بأصول الفقه وأنتم مقلدون؟ ولم يكن الأخير يفهم وجه هذا الاعتراض، فكثير منهم لا يضبط أصول المتكلمين كما ينبغي.