كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

من الأمور التي ينبغي تحريرها :

المصدر
من الأمور التي ينبغي تحريرها : خلط الكثيرين بين بر الوالدين والطاعة المطلقة لهما إذ لا يلزم من بر الإنسان والإحسان إليه طاعته في كل ما يقول وألا يكون لك رأي مع رأيه بدليل قوله تعالى : ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ). فالمسلم غير مطيع لوالديه في الشرك ولا شك ومع ذلك أمره الله بمصاحبتهما بالدنيا معروفا والله لا يأمر إلا بالمقدور عليه فعلم أن البر والإحسان يتحققان وإن لم توجد طاعة مطلقة ومن ثم كلام العلماء فيما يجب فيه طاعة الوالدين وما لا يجب وتجد الفقهاء يقولون بارتياح ( لا طاعة لهما في كذا وكذا ) ولا يعدون ذلك عقوقا مع أن عدم طاعتهما في بعض الأمر مما يدخل عليهما شيئا من الحزن أو الهم غير أن الأمر منضبط بضوابط شرعية قال المرداوي في الإنصاف : ويلزمه طاعة والديه في غير معصية، ويحرم طاعتهما فيها. ولو أمره بتأخير الصلاة ليصلى به، أخرها. نص على ذلك كله. قال في «المستوعب» وغيره: ولو كانا فاسقين. وهو ظاهر إطلاق الإمام أحمد. وقال الشيخ تقي الدين: هذا فيما فيه نفع لهما، ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره، وجب، وإلا فلا. انتهى. وظاهر رواية أبي الحارث وجعفر، لا طاعة لهما إلا في البر. وظاهر رواية المروذي، لا طاعة في مكروه. وظاهر رواية جماعة، لا طاعة لهما في ترك مستحب. وقال المجد، وتبعه ابن تميم وغيره: لا يجوز له منع ولده من سنة راتبة. وقال أحمد في من يتأخر عن الصف الأول لأجل أبيه: لا يعجبنى، هو يقدر يبر أباه بغير هذا. وقال في «الغنية»: يجوز ترك النوافل لطاعتهما، بل الأفضل طاعتهما. ويأتى في من يأمره أحد أبويه بالطلاق، في كتاب الطلاق، وكلام الشيخ تقي الدين في أمره بنكاح معينة. أقول : خلاصة كلام الأصحاب أنهما ١-أنهما لو أمراه بطاعة مستحبة وجب طاعتهما ( ولَم أذكر الواجبة لأنها لا تفتقر إلى أمرهما ) ٢- نبه ابن تيمية ( وهو الشيخ تقي الدين المشار إليه ). أن ذلك مشروط بعدم حصول ضرر عليه ومثال ذلك أن يأمراه ببذل مال لو بذله أفلس أو قارب الإفلاس ولحقه العنت لذلك أو يجعله بذل هذا المال يؤخر حقوقا واجبة من نفقة على زوجة أو حق دائن عليه قال الشافعي في الرسالة معلقا على حديث أنت ومالك لأبيك : فقال: أما نحن فلا نأخذ بهذا، ولكن من أصحابك من يأخذ به؟ فقلت: لا، لأن من أخذ بهذا جعل للأب الموسر أن يأخذ مال ابنه. قال: أجل، وما يقول بهذا أحد. فلم خالفه الناس؟ قلت: لأنه لا يثبت عن النبي، وأن الله لما فرض للأب ميراثه من ابنه، فجعله كوارث غيره، فقد يكون أقل حظا من كثير من الورثة: دل ذلك على أن ابنه مالك للمال دونه. أقول : ومن قوى الحديث حمله على حال احتياج الأب ٣- إن كان في المستحب مشقة ولا ضرر فقد مال الشيخ تقي الدين إلى وجوب طاعتهما ٤- أن يأمراه بمباح فهذا ما رأى بعضهم أنه غير داخل في الطاعة لأن الطاعة متعلقة بالبر ( وهذا اسم يشمل الطاعات ) والأمر في الواقع فيه تفصيل فما كان فيع منفعة لهما قبل وأما ما كان حظ نفسه المحض كاختيار زوجة أو طعام معين فالطاعة ليست لازمة ولو تبرر بطاعتهما فله الأجر قال ابن مفلح الحنبلي رحمه الله : " ليس للوالدين إلزام الولد بنكاح من لا يريد ، قال الشيخ تقي الدين رحمه الله (أي : ابن تيمية) : إنه ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد ، وإنه إذا امتنع لا يكون عاقا ، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه : كان النكاح كذلك ، وأولى ، فإن أَكْلَ المكروه مرارة ساعة ، وعِشْرة المكروه من الزوجين على طول ، تؤذي صاحبه ، ولا يمكنه فراقه ". انتهى من " الآداب الشرعية " ( 1 / 447 ) . ( وهذا كلام الشيخ تقي الدين الذي أشار إليه المرداوي وقال سيأتي ذكره في كتابه ) ٥- أن يأمراه بترك مستحب أو فعل مكروه فأما فعل المكروه فلا يختلف كلامهم أنه ليس داخلا في البر ومن ذلك أمر الطلاق وصح عن الحسن أنه قال فيمن أمرته أمه بطلاق زوجته : ليس الطلاق من برها في شيء . وبهذا كان يفتي أحمد وإذا احتجوا عليه بحديث : أطع أباك في ابن عمر لما أمره عمر بطلاق زوجته يقول أحمد : حتى يكون أبوك مثل عمر . وأما ترك المستحبات فظاهر كلامهم أن الطاعة في ذلك ليست واجبة ولو تركها لهم فلا بأس وهذا يدل عليه النظر فالمستحب طاعة لله وطاعة الله فوق كل طاعة إلا أن يكون يلحقهما ضرر بهذا المستحب فإن قيل : ماذا عن حديث جريج العابد الذي أقبل على صلاته وترك أمه فدعت عليه فأصابته الدعوة ؟ فيقال : ذلك محمول على أنها ما أمرته بترك الصلاة البتة وإنما نادته وكان له متسع أن يسمع حاجتها ثم يعود إلى صلاته ويقضيها ثم هو لم يكن عاقا بتأويله عدم إجابتها ألا تراه بقي اسمه في الأبرار وأهل الكرامات ونجاه الله من كيد الفجار قال أبو بكر الطرطوشي في كتاب بر الوالدين: لا طاعة لهما في ترك سنة راتبة، كحضور الجماعات، وترك ركعتي الفجر والوتر ونحو ذلك، إذا سألاه ترك ذلك على الدوام، بخلاف ما لو دعواه لأول وقت الصلاة وجبت طاعتهما، وإن فاتته فضيلة أول الوقت. وعن الحسن وأحمد استحباب أن يفطر اذا أمراه بترك صيام التطوع ووجه ذلك عندي أن في الصوم مشقة تعظم معها شفقة الوالدين فتراعى هذه الشفقة ويكون في هذه المراعاة طاعة الله كما روعي ما يلحق الزوج من مشقة عند صوم زوجته وهو يشتهيها ، ونظير هذا خروجه في الجهاد الكفائي لعظيم خطره ٦- لم يذكرها المرداوي وهي طاعتهما في الشبهات ( يعني الأمر الذي يشك في حرمته ولا يجزم ولا يجد دليلا قاطعا أو أغلبيا على إباحته فيشتبه عليه فيميل للورع عنه ) قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم : واختلف العلماء: هل يطيع والديه في الدخول في شيء من الشبهة أم لا يطيعهما؟ فروي عن بشر بن الحارث، قال: لا طاعة لهما في الشبهة، وعن محمد بن مقاتل العباداني قال: يطيعهما، وتوقف أحمد في هذه المسألة، وقال: يداريهما، وأبى أن يجيب فيها. وأخيرا أقول : عدم الطاعة شيء وشراسة الخلق والكلام الجافي ورفع الصوت شيء آخر فليعلم هذا ، وكثير من الآباء والأمهات بحجة ما فرض الله من برهم تسلطوا على أولادهم في كل دقيق وجليل حتى كانوا عليهم باب غم وعنت بعدما كانوا باب إحسان وحنان وعطاء والعجيب أنك تجد المرء فيهم لا يطيع الله في نفسه ولا يكف عن التذكير بالحقوق التي جعلها الله له والتي وسعها حتى شملت ما لم يأذن به الله ( حتى وصل الأمر للطاعة بالمعصية فإذا خالفه الابن اتهمه بالعقوق ) وأقول للأبناء غلط والدك في حقك بقصد أو بغير قصد لا يعني أن تنسى محبته وإحسانه الذي في الغالب يكون أضعاف أضعاف الإساءة والإحسان يكون بقصد والإساءة لا تكون كذلك غالبا ولست سالما من العيوب اعف يعفو الله عنك وافعل ما أمرك الله يقول مصطفي لطفي المنفلوطي : (بلغ التعصب الديني بجماعة من المبشرين أن حكموا بوجود اللحن في القرآن بعد اعترافهم بأنه كتاب عربي نظمه علي حسب معتقدهم رجل هو في نظرهم أفصح العرب . و ليست مسألة الإعراب و اللحن مسألة عقلية يكون للبحث العقلي فيها مجال ، و إنما الإعراب ما نطق به العرب ، و اللحن ما لم ينطقوا به ، فلو أنهم اصطلحوا علي نصب الفاعل و رفع المفعول مثلًا لكان رفع الأول و نصب الثاني لحنًا . و لكن جهلة المبشرين لم يدركوا شيئا من هذه المسلَّمات ، و استدلوا علي وجود اللحن في القرآن بقواعد النحو التي ما دونها مدوِّنوها إلا بعد أن نظروا في كلام العرب و تتبعوا أساليبه و تراكيبه ، و أكبر ما اعتمدوا عليه في ذلك هو القرآن المجيد . فالقرآن حجة علي النحاة و ليست النحاة حجة علي القرآن . فإن وجد في بعض تراكيب القرآن أو غيره من الكلام العربي ما يخالف قواعد النحاة ، حكمنا بأنهم مقصرون في التتبع و الاستقراء ، علي أنهم ما قصَّروا في شيءٍ من ذلك ، و ما تركوا كثيرًا و لا قليلًا و لا نادرًا و لا شاذًّا إلا دونوه في كتبهم . فلا القرآن بملحون ، و لا النحاة مقصرون ، و لكن المبشرين جاهلون ) { النظرات : 1 \ 272-273 ، مقال : الإسلام و المسيحية } . أقول : واللطيف أن هذه الشبهة ما فكر بها عامة النصارى في الأعصار المتقدمة وإنما في هذا الزمان وما قاربه لما سحفت العقول غاية كان بين مالك بن أنس فقيه أهل المدينة والليث بن سعد فقيه أهل مصر أخوة صادقة وكان مالك يستعين بالليث في النفقة إذا قصرت لثراء وقد كاتب مالك الليث ينكر عليه في مسائل فقهية فرد عليه الليث في رسالة عجيبة رواها يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ يإسناد قوي وقبله ابن معين كما في تاريخ الدوري عنه وكان الليث في مطلعها يقول : ذكرت أنه قد انشطك ما كتبت إليك فيه من تقويم ما أتاني عنك إلى ابتدائي بالنصيحة، ورجوت أن يكون لها موضع، وأنه لم يمنعك من ذلك فيما خلا إلا أن يكون رأيك فينا جميلاً، إلا لأني لم أذاكرك مثل هذا، وأنه بلغك أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وأني يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد بن قبلي على ما افتيتهم به. وكان مما ورد فيها قوله : وذاكرتك أنت وعبد العزيز بن عبد الله بعض ما نعيب على ربيعة من ذلك فكنتما لي موافقين فيما أنكرت، تكرهان منه ما أكره، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الاسلام، ومودة صادقة لأخوانه عامة ولنا خاصة، رحمة الله عليه وغفر له وجزاه بأحسن من عمله. وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كث كثير إذا لقيانه، وإذا كاتبه بعضنا فربما كتب إليه في الشيء الواحد على فضل رأيه وعلمه - بثلاثة أنواع ينقض بعضها بعضاً، ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في ذلك. أقول : هنا الليث يذكر مالكاً بما كانا ينتقدان على شيخهما ربيعة وأنه مع ذلك لا أحد ينكر سلامة عقله ولسانه البليغ وفضله المستبين وطريقته الحسنة في الإسلام إشارة إلى أن خلافي معك يا مالك في هذا لا يحط من قدري ولا من قدرك فقد خالفنا شيخنا وما نقصه ذلك في أعيننا ، ثم أثنى على أخوة ربيعة الصادقة لإخوانة إشارة لمالك إلى الاستبقاء على الأخوة تمهيداً لما سيأتي من نقد الليث لمالك وذكره أن شيخهم الزهري كان رأيه يختلف في المسألة الواحدة على فضله وعلمه ( لأن مالكاً استغرب من تغير فتيا الليث في بعض الأمور ) فيذكر أن ذلك وقع له من تغير معطيات كما كان يحصل مع ابن شهاب وكان مما جاء فيها : وقد بلغنا عنكم أشياء من الفتيا مستكرهاً، وقد كنت كتبت إليك في بعضها فلم تجبني في كتابي، فتخوفت أن تكون استثقلت ذلك، فتركت الكتاب إليك في شيء مما أنكرت وفيما أوردت فيه على رأيك ( ثم ذكر مسائل ) ثم قال : وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك وطول بقائك؛ لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك مع استئناس بمكانك، وإن نأت الدار؛ فهذه منزلتك عندي ورأيي فيه فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إلي بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك وحاجة إن كانت له أو لأحد يوصل بك، فإني أسر بذلك، كتبت إليك ونحن صالحون معافون والحمد لله. وهذه لفتة عجيبة فبعد هذا النقد كأنه يقول له لا تحمل علي ولا تقطع عني خبر أهلك وما يحتاجون ( الليث جهز ابنة مالك لما زفت إلى زوجها ) ورد عليه مالك برسالة في مطلعها : كتبت إليك وأنا من قبلي من الولدان والأهل على ما تحب والله محمود. جاءني كتابك تذكر من حالك ونعم الله عليك الذي أنا به مسرور، وأسأل الله أن يستمر علينا وعليك صالح ما أنعم به علينا وعليك وأن يجعلنا له شاكرين. وفهمت ما ذكرت في كتب بعثت بها لأعرضها لك وأبعث بها إليك، فقد فعلت ذلك وغيرت منها حتى صح أمرها على ما تحب، وختمت على كل فنداق منها بخاتمي ونقشه: حسبي الله ونعم الوكيل. وكان حبيب إلي حفظك وقضاء حاجتك وأنت لذلك أهل. ثم أكمل معه المطارحة الفقهية في مسائل ضرورية لا يسع السكوت لا خوض في الفضول ، هذه قطرة من أحوال القوم العجيبة التي ما بلغنا مدها ولا نصيفها وكان المرء يشتد إحراجه في الفتيا يختارها ويخالفه شخص ويناظره ومع ذلك يعترف بشجاعة أنه لا حديث عنده في الباب ولو شاء لوضع حديثاً وأحدث فتنة ولكن القوم أهل تقى لا مداهنة في الدين ولا تفريط في الأخوة وهذه المعادلة التي تصعب على كثير منا