من عجائب العدل والرحمة في الوحي: حفظ حق اليتيمة من الظلم الخفي الذي هي لا تنتبه
من عجائب العدل والرحمة في الوحي: حفظ حق اليتيمة من الظلم الخفي الذي هي لا تنتبه له.
قال البخاري: "2763- حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: كان عروة بن الزبير، يحدث أنه سأل عائشة رضي الله عنها: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3]، قالت: هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء، قالت عائشة: ثم استفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد، فأنزل الله عز وجل: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} [النساء: 127]، قالت: "فبين الله في هذه الآية: أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال، ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، فإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء"، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها".
أقول: يمر كثير من الناس على هذا الخبر مرور الكرام، ولكنه خبر عجيب غاية في شأن عدل الشريعة ورحمتها، لمن فهم أحوال الناس.
تأمل القصة:
عندك فتاة يتيمة تركت كفالتها لعمها أو ابن عمها أو حتى ابن عم أبيها.
ويرغب عمها بتزويجها ابنه أو ابن عمها بالزواج منها.
وهي راضية، بل غالباً ستكون متعلقة عاطفياً بمن يكفلها ويحل محل أبيها.
وهذا الكافل سيتزوجها بمهر هو أقل من مهرها المعتاد، وغالباً هي سترضى إما لجهلها بالأمور أو استرضاءً له لكي لا يغضب، إن كانت تستشعر احتياجها إليه.
ومثل هذا لا يوجد قانون في الدنيا يمنع منه إن كانت بالغة عاقلة، غير أن هناك أثراً خفياً يعلمه علام الغيوب.
فأنزل الله عز وجل آية ينهى فيها عن هذا الظلم الخفي الذي لا ينتبه له عامة الناس.
فلو أجبرت على الزواج ممن لم ترض أو لم تعط مهراً بالكلية لكان بيناً.
وأما أن يعطيها مهراً دون مهرها المعتاد مراعاة لكونه قريبها الذي يكفلها فمثل هذا كثير من الناس لا يعدونه ظلماً أصلاً فضلاً عن أن ينبهوا عليه.
ونزلت آية تنهى عن مثل هذا فتأمل العجب.
ولما قرأت أثر عائشة تذكرت قول الشاعر:
(لولا أمية لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظلم)
(وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم)
تأمل قوله (ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم) ولخوف اليتيمة من هذه الجفوة تحابيهم، وتظهر الرضا بما لا يرضى به غيرها، فروعي في الشرع هذا الضعف.