كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

كيف يُقضى الدين مع هبوط العملة؟

المصدر
كيف يُقضى الدين مع هبوط العملة؟ هناك مسألة يكثر السؤال عنها وهي قضاء الدين مع هبوط العملة، وهذا يحصل كثيراً في البلدان التي فيها اضطرابات سياسية. فيكون للرجل على الرجل دين، مقدار من المال يشتري بقرة، فتهبط العملة بعد عام أو عامين فيكون المبلغ يشتري دجاجة مثلاً ولا يشتري بقرة. كثيرون يفتون بإعادة مبلغ المال كما هو، وهذا فيه بعدٌ ومجافاة لمقاصد الشريعة والله أعلم. وأشبه فرع عندي بهذه المسألة فرع وضع الجوائح إذا ذهبت نصف الثمرة أو جزء كبير منها أو بعضها. وصورة المسألة أن رجلاً اشترى من رجل ثمرة على رؤوس النخل ثم قبل أن يجزها أصابتها جائحة أذهبتها (برد أو ريح أو جراد أو نحوه). فقد دلت السنة وهو مذهب أحمد وغيره أن للمشتري استرداد الثمن. ودليله ما روى مسلم في صحيحه: "عن جابر، «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بوضع الجوائح.» وعنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن بعت من أخيك ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، لم تأخذ مال أخيك بغير حق؟» رواه مسلم وأبو داود، ولفظه: «من باع ثمرا، فأصابته جائحة فلا يأخذ من مال أخيه شيئا، على ما يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم؟»". وهذه من المسائل التي علق الشافعي القول بها على صحة الحديث، وقد صح كما ترى. وجاء في المغني: "2943- الفصل الثالث: أن ظاهر المذهب، أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أن ما جرت العادة بتلف مثله، كالشيء اليسير الذي لا ينضبط، فلا يلتفت إليه. قال أحمد: إني لا أقول في عشر ثمرات، ولا عشرين ثمرة، ولا أدري ما الثلث، ولكن إذا كانت جائحة تعرف؛ الثلث، أو الربع، أو الخمس، توضع. وفيه رواية أخرى، أن ما كان يعد دون الثلث فهو من ضمان المشتري وهو مذهب مالك، والشافعي في القديم؛ لأنه لا بد أن يأكل الطير منها، وتنثر الريح، ويسقط منها، فلم يكن بد من ضابط واحد فاصل بين ذلك وبين الجائحة، والثلث قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع: منها؛ الوصية، وعطايا المريض، وتساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى الثلث. قال الأثرم: قال أحمد: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة. ولأن الثلث في حد الكثرة، وما دونه في حد القلة، بدليل قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الوصية: (الثلث، والثلث كثير) . فيدل هذا على أنه آخر حد الكثرة، فلهذا قدر به. ووجه الأول، عموم الأحاديث، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بوضع الجوائح. وما دون الثلث داخل فيه، فيجب وضعه". ولو تأملت المسألة التي معنا لرأيتها شبيهة بهذه، فذهاب نصف قيمة العملة بمنزلة ذهاب نصف الثمرة. وبناء عليه يرى المبلغ العتيق كم كان يشتري من الذهب ويعوض مكانه من المبلغ الجديد. فلو كان المبلغ ألف جنيه ويشتري عشر جرامات من الذهب، ثم هبط الجنيه فصارت العشر جرامات تُشتَرى بألفين فإن الدين يرجع ألفين، هذا والله أعلم. ومن الفقهاء من حدد اعتبار وضع الجائحة بالثلث فالثلث وما زاد يوضع وما دونه لا يعتبر، فعلى مذهبهم يعتبر سقوط أكثر من ثلث قيمة العملة، والمشهور من مذهب أحمد التسوية بين قليل الثمر وكثيره، وكذلك يقال في كثير الهبوط وقليله، إلا أن يكون شيئاً يسيراً جرت العادة بالتغافل عنه.