الأصل الثاني : حتمية العامل البيئي
الأصل الثاني : حتمية العامل البيئي
وهذا أمر تنقضه المشاهدة فكم من إنسان نشأ بين المسلمين وكفر وارتد أو كان منافقاً وكم من إنسان عاش بين الكفار ووفقه الله للإسلام ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) ( أليس الله بأعلم بالشاكرين ) ( أهم يقسمون رحمة الله ربك ) وتكلم الناس في باب أهل الفترة بكلام طويل ليس هذا محل بسطه ولكن الخلاصة أن حكم أهل الفترة تفضل والزعم أن عموم الناس الأصل فيهم أنهم أهل فترة حتى بعد نزول الرسالة غلط والباطل المتناقض الذي عليه أهل الأديان الباطلة يوجد في الفطرة والعقل ما يدفعه نعم رب العالمين تفضل وقال ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) غير أن من فكر منهم يهتدي من تلك الظلمة ولو بنور يسير كما حصل لزيد بن عمرو بن نفيل الذي آمن في الفترة وقريش يعبدون الأصنام فنبذ ما عرف من الباطل ولكنه لم يوفق للهداية التامة وكيف يعبد الله فشكر الله له وأدخله الجنة والنور التام في الرسالة
وعموم الظواهر الإنسانية لا يمكن أن ترجع إلى عامل أو عاملين فقط بل عوامل عديدة متشابكة ولهذا تتنوع أحوال تنوعا كبيرا.
الأصل الثالث : أن معرفة الحق والباطل تتعلق بنفس الحق أو الظروف المحيطة لا بالناس فكأن الناس لا يوجد فيهم هوى ولا كبر ولا حسد وأنهم يقادون بحسب الظروف ولو طردنا هذا الأصل لعذرنا حتى المجرمين الذين ينشأون في بيئات إجرامية
وهذا الأصل هو الأكثر انتشاراً في زماننا مع إفراط إحسان الظن بالبشر فصار لا يكفر كافر إلا عن شبهة وكأن الشهوات لا حضور لها وهم يرون في مسائل الدنيا كيف أن بعض الناس يعارضون الحق ويقفون ضده وينصرون أهل الظلم والجور لهوى
فتجده يعذر اليهودي والنصراني لأنه نشأ في بيئة ليست إسلامية ولكنه لا يعذر العنصري إذا نشأ بين العنصريين مثلاً ولا المتطرف ومنهم من يعذر بلسانه ولكنه يوقع العقوبات الشديدة
واليوم هذه الأصول يتأثر بها حتى بعض المنتسبين للعلم فتجده يستدل على أن هذا القول حق أو باطل بأنه قال به الشيخ فلان أو الشيوخ المشاهير فلان وفلان ، وهؤلاء ليسوا السلف الذين يستدل بأقوالهم إذا اتفقوا أو قال أحدهم قولاً وسكت عليه البقية فتجد هذا المرء يدفع الحجج بتقليد المشايخ فحسب ! ولو كانت حججاً أثرية
ثم تجده هو نفسه يعظم المتكلمين ويزعم الحاجة الماسة إليهم في الأصول وغيرها من العلوم مع تغليطه لهم في مسائل عقدية كبرى فسبحان الله يقع في عقله غلط أصوليين كبار في مسائل عقدية كبرى ولا يقع في عقله غلط جماعة من مشيخته في مسائل دونها ولو تعلم على علو الإسناد والاتصال بالسلف لسلم من هذا التناقض وأصل الغلط هنا أنه ترك قاعدة ( إن على الحق نوراً ) وتمسك بمرجح لا يصلح مرجحاً فوقع في التناقض وتسلط عليهم أهل الباطل وصاروا يقولون كما لا تتصورون الغلط من مشيختكم في فروع المسائل فكذلك نحن لا نتصور الغلط من كبرائنا الذين تعظمون في مسائل كبرى فحصل شر كبير وافتتن خلق عن السنة بسبب تعظيمهم لأهل الباطل وترجيحهم بغير المرجحات الصحيحة ولو أرجعوا لاتباع السلف لانقطع أهل الباطل بأقصر طريق
أيضاً بعض من يتوسعون اليوم في الحديث عن مسائل الإعذار وغيرها تجده دائماً يتكلم على خفاء الحق ويجعل ذلك بوابة الإعذار مع أن عليه نور ويتفاوت هذا النور فهناك مسائل ظاهرة مخالفها كافر وهناك مسائل مخالفها مبتدع وهناك اجتهادية وهناك ما يتردد فيه العالم بين الأقسام ولكن وجود بعض المسائل المتردد بها لا ينفي الأصل كما أن اختلاف العلماء في بعض الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً لا ينفي وجود قاعدة للتصحيح والتضعيف حكم بها العلماء على عامة الأحاديث وجاءت أحكامهم متفقة في الغالب
وهؤلاء المتوسعين تراه يكاد يلغي الأوصاف الذاتية في المخالف فحتى الإعراض عن تعلم المسائل الظاهرة المنتشرة لا يكاد يتكلم عنه بأن صاحبه مدان بل دائماً الحديث على خفاء الأدلة وكل المسائل أدلتها خفية إلا مسائل العذر أدلتها جلية وهي محل امتحان ! فسبحان الله على أن هذه المسائل تنازع فيها الناس كثيراً وانقسموا إلى فرق كثيرة بين غال وجاف وليس هذا محل البسط
والخلاصة أن جواب الشيخ على الشبهة نموذجي وقد توسع كثيراً في الجواب ولكن القدر الذي ذكرته كاف لأنه ذهب إلى الأصول وبين أنها غير مسلمة بأن مقتضى إيماننا بأن الإسلام والوحي حق يقتضي ألا نؤمن بهذه الأصول فكيف تورد على الدين شيئاً لا يقوم إلا بانهدام الدين ابتداء هذه مصادرة على المطلوب