أنت تسب ابن تيمية وتظن نفسك تدافع عنه!
أنت تسب ابن تيمية وتظن نفسك تدافع عنه!
يوجد الآن موجة يزعم أهلها أنهم يدافعون عن ابن تيمية، ويبنون دفاعهم على أن الشيخ كان يهوِّن جدًّا من الخلافيات العقائدية المحضة مع المخالفين ويعذرهم جميعًا.
وبعضهم يمدح قدرة الشيخ على التفكيك والرد، ويصف خلافياته مع الأشاعرة بـ "الكلام الفاضي" وأهم شيء في الموضوع هو قدرة الشيخ على التفكيك!
الشيخ أنفق جزءًا كبيرًا من عمره في هذه الأمور وصنَّف فيها التصانيف الكبار في وقتٍ كان الظرف السياسي فيه مشتعلًا والأخطار محدقة بالأمة من كل جانب عقديًّا وسياسيًّا، وكان الشيخ يشغل نفسه بهذا الملف جدًّا حتى أنه يدخله في ردوده على النصارى والرافضة والفلاسفة والباطنية وأصحاب وحدة الوجود وغلاة الصوفية.
ولأن الشيخ صاحب مصنفات كبيرة وله طريقة في التنزل مع الخصوم ومخاطبتهم على قدر عقولهم أو بما يفهمون ويلتزمون؛ صارت مادته مرتعًا للاجتزاء المخل لأصحاب المقدمات النفسية المسبقة المبنية على مشاريع حركية تظن العقيدة مجرد وسيلة لتحقيق حضارة أو مجد دنيوي، ولهذا فالأبحاث العقدية المحضة (مثل البحث مع المعتزلة والأشعرية) هذه أبحاث متخصصة عقلية محضة لا يبنى عليها ولاء وبراء، أو قدر الولاء والبراء فيها ضعيف.
أصحاب هذه المشاريع تدثروا بالبحث العلمي، وانشقت منهم فئة تزعم أنها ستصحح الانحياز العلمي في الطبقة السابقة لهم، فما زادوا على أن ابتعدوا أكثر وأكثر عن هدي السلف في التعامل مع الخلاف العقائدي، بل دخلوا في أبعاد حداثية أكثر من السابقين.
وسأقرب المسألة لعامة الناس ولهؤلاء أيضًا:
إذا نظرت في كتب العقيدة السلفية سواء المفردة أو التي ضمن المجاميع الكبيرة ستجد أنها تُعنى بمناقشة بدع الخوارج والنواصب والرافضة والشيعة والقدرية والجبرية والمرجئة، وليست كل هذه الخلافيات ذات بعد سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي واضح ولكن تؤثر في هذه الأحوال من بعيد أو قريب أحيانًا.
اعتنى السلف ومن سار على طريقهم في كل زمان بالرد على هذه الفرق ببيان الأدلة التي تخالف مذاهبَهم، وبيان فهمِهم الخاطئ للأدلة التي يزعمون أنها معهم، وبيان طريقة السابقين في المسائل المختلف فيها، ثم الحكم على هذه الفرق بما تستحق تكفيرًا أو تفسيقًا أو إعذارًا -إن كان له محل-.
ظهرت بعد هذه الفرق فرقة اسمها الجهمية، هذه الفرقة يسجل ابن تيمية أنها أشد الفرق انحرافًا، فيقول أن السلف ذموها بأكثر مما ذموا غيرها.
قال الشيخ في درء تعارض العقل والنقل (٥/٢٥٧): "ولهذا كان السلف والأئمة يتكلمون في تكفير الجهمية النفاة بما لا يتكلمون به في تكفير غيرهم من أهل الأهواء والبدع، وذلك لأن الإيمان إيمان بالله وإيمان للرسول، فإن الرسول أخبر عن الله بما أخبر به عن أسماء الله وصفاته، ففي الإيمان خبر ومخبرٌ به، فالإيمان للرسول تصديق خبره، والإيمان بما أخبر به والإقرار بذلك والتصديق به".
وقد نص الدارمي في رده على المريسي أن الخلاف مع الجهمية لا يقارن بالخلاف مع المرجئة والقدرية.
ويعلل الشيخ هذه الممارسات من السلف بأن الجهمية لا يعنون بالنصوص، بل اعتقدوا مفرزات الفلسفة اليونانية ثم حرفوا النصوص لأجلها، وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بالنصوص، وأن بقية الفرق عندهم شبه أقوى ويعنون بالنصوص أكثر من هؤلاء، فمشكلتهم اتباع المتشابه، وأما الجهمية فإيمانهم بالنصوص صوري.
أعظم ثلاثة مسائل اختلف فيها السلف مع الجهمية وأكثروا فيها الكلام في كل المدونات العقدية:
المسألة الأولى: علو الله على خلقه:
وهذه أعظم المسائل في عرف السلف لأنها تتعلق بالإيمان بوجود حقيقي لله عز وجل، فإن الفلاسفة جعلوا رب العالمين معنى من المعاني وليس وجودًا حقيقيًّا.
فمثلًا لو قال لك شخص أنا أومن بأن الملائكة هم معاني الخير والعدالة فأنت لا تشك أنه لا يؤمن بوجود الملائكة حقيقةً إذ أولها على معانٍ، وهكذا هو إيمان الفلاسفة بالله عز وجل، فمن يقول هو في كل مكان أو يقول لا داخل العالم ولا خارجه يريد أنه معنى فقط.
وهذه المسألة من أعظم دواخل الإلحاد على كبار الفلاسفة، لأن الذي (لا داخل العالم ولا خارجه) هو غير موجود حقيقةً، لهذا السلف كانوا يقولون: المعطل يعبد عدمًا. فهم يقولون لمن يؤمن بهذا من أهل الدين: أنت لا تؤمن بإله حقيقي وهذا الذي تتحدث عنه غير معقول.
فما قول الجهمية في هذه المسألة؟
الجهمية قالوا: الله في كل مكان، وأما متأخرو الأشعرية فقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه.
فأيهما أشد؟ قول الجهمية الأوائل أم متأخري الأشعرية؟
قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (٦/١٥٤): "ولهذا كان العامة من الجهمية إنما يعتقدون أنه في كل مكان، وخاصتهم لا تظهر لعامتهم إلا هذا، لأن العقول تنفر عن التعطل أعظم من نفرتها عن الحلول، وتنكر قول من يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه أعظم مما تنكر أنه في كل مكان، فكان السلف يردون خير قوليهم وأقربهما إلى المعقول، وذلك مستلزم فساد القول الآخر بطرق الأولى".
=
=
فابن تيمية يرى أن قول متأخري الأشعرية أشر من قول الجهمية الأولى، ولا يعزب عن ذهنك أن الجهمية شر الفرق عند السلف بتنصيص ابن تيمية المستمر.
المسألة الثانية: مسألة كلام الله أو مسألة القرآن:
وهي المسألة التي حصلت فيها المحنة العظيمة على الإمام أحمد. ولا تستهن بهذه المسألة، فقول الجهمية (القرآن مخلوق) يُعنى به أن رب العالمين لا يفعل ما شاء متى شاء فعلًا يقوم به وأن الفعل هو المفعول.
وهذه المسألة بيَّن ابن تيمية أن أصل الجهمية فيها هو الذي أدى إلى تسلط الفلاسفة عليهم في قولهم بقدم العالم والقول بوحدة الوجود وأن نفي الأفعال الاختيارية يضعف العبودية عند الخلق لله عز وجل، ونصوصه في ذلك لا تحصر، وقد بيَّن بذكاء كبير كيف أن إثبات الأفعال الاختيارية به تنتقض كل حجة للملاحدة وأن أهل الكلام لا يمكنهم أن يقطعوا الملاحدة وهم على قولهم بنفي الأفعال الاختيارية، وقال كلمته المشهورة "لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا".
فما قول الجهمية في هذه المسألة؟ وهل خالفهم متأخرو الأشعرية؟
الجهمية يقولون القرآن مخلوق، وأما الأشعرية المتأخرة فقولهم في تقدير ابن تيمية أسوأ من قول الجهمية والمعتزلة، وقرَّر هذا كثيرًا. وأختصر بنص واحد:
قال ابن تيمية في التسعينية (٣/٩٧٠) وهو يخاطب الأشعرية: "وعلى قولكم لا فرق بل قد زعم من زعم من أئمتكم أن الواحد من غير الأنبياء يسمع كلام الله كما سمعه موسى بن عمران، فمن حصل له إلهام في قلبه جعلتموه قد كلمه الله كما كلم موسى بن عمران، ومعلوم أن المعتزلة لم يصلوا في الإلحاد إلى هذا الحد، بل من قال: إن الله خص موسى بأن خلق كلامًا في الهواء سمعه كان أقل بدعة ممن زعم أنه لم يكلمه إلّا بأن أفهمه معنى أراده، بل هذا قريب إلى قول المتفلسفة الذين يقولون: ليس لله كلام إلّا ما في النفوس، وإنه كلم موسى من سماء عقله، لكن يفارقونها بإثبات المعنى القديم القائم بذات الله".
المسألة الثالثة: مسألة رؤية الله عز وجل:
وهذه هي أعظم ثواب أهل الإيمان، وقد تقدم معنا أن الجهمية يجعلون وجود الله معنويًّا فحسب، لذا هم لا يثبتون أن الله يُرى في الآخرة، لأنهم لو أثبتوا الرؤية لانتقض عليهم بقية مذاهبهم.
فما مذهب متأخري الأشعرية في الموضوع؟
يرى الشيخ أن خلافهم مع المعتزلة صار لفظيًّا (أي أن حقيقة القولين واحدة)، فقال في درء التعارض (١/٢٥٠): "وهذا هو البحث المشهور بين المعتزلة والأشعرية، فلهذا صار الحذاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقةً لأهل السنة فسروها بما تفسرها به المعتزلة، وقالوا: النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي". وقد كرر هذا المعنى كثيرًا.
فانتبِه، الجهمية هم شر الفرق عند السلف، ومتأخري الأشعرية وافقوهم أو زادوا عليهم في أعظم ثلاث مسائل خالفهم فيها السلف، وكان السلف يعلقون أوصاف الذم بهذه المسائل فيقولون: "من قال القرآن مخلوق فهو جهمي، والجهمي كذا وكذا" أو "من أنكر الرؤية فهو كذا وكذا" أو "من لم يقر أن الله على العرش فهو جهمي".
ويرى الشيخ أن من شرط عذر الإنسان أن يبذل الجهد في طلب الحق ويطلبه من جهة الرسول، فقال في الدرء: "ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه، تحقيقًا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} (البقرة: 286)".
وهذا لا يمكن أن يُطرد في كل المخالفين، بل أهل الكلام خصوصًا من الأشعرية ينصُّ الشيخ على أنهم لا يطلبون الحق من جهة الرسول، لهذا ألف الكتاب عليهم.
فقال في الدرء: "وهذا الذي ذكرناه من أن هذا الأصل يوجب عدم الاستدلال بكلام الله ورسوله على المسائل العلمية، قد اعترف حذاقهم به، بل التزمه من التزمه من متأخري أهل الكلام كالرازي، كما التزمته الملاحدة الفلاسفة. وأما المعتزلة فلا يقولون: الأدلة السمعية لا تفيد اليقين، بل يقولون، لا يحتج بالسمع على مسائل التوحيد والعدل، لأن ذلك -بزعمهم- يتوقف العلم بصدق الرسول عليه.
وكذلك متأخرو الأشعرية يجعلون القول في الصفات من الأصول العقلية.
وأما الأشعري وأئمة أصحابه فيحتج عليهم عندهم بالسمع كما يحتج بالعقل".
وقال أيضًًا: "ولهذا آل الأمر بمن يسلك هذا الطريق إلي أنهم لا يستفيدون من جهة الرسول شيئًا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله تعالي وأفعاله، بل وباليوم الآخر عند بعضهم، لاعتقادهم أن هذه فيها ما يرد بتكذيب أو تأويل وما لا يرد، وليس لهم قانون يرجعون إليه في هذا الأمر من جهة الرسالة".
وقال أيضًا: "ولهذا لم يكن معهم على نفي ذلك أصل يعتصمون منه من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما يتمسكون بما يظنونه من العقليات، فيحتاجون إلى بيان تقديم ذلك على الأدلة الشرعية".
=
=
وقال في التسعينية مبينًا شدة خطورة بدع فروع الجهمية: "فمن هنا كان حال فروع الجهمية قد يكون أخف من حال الخوارج، وإلا فقولهم في نفسه أخبث من قول الخوارج بكثير، وإذا كان يونس بن عبيد قد قال عن المعتزلة: إن فتنتهم أضر على الأمة من فتنة الأزارقة، والمعتزلة جهمية، علم أن السلف كانوا يعلمون أن الجهمية شر من الخوارج".
وما يقصده بفروع الجهمية واضح من قوله في الدرء: "فأبو الحسين وأمثاله من المعتزلة، وكذلك الغزالي والرازي وأمثالهما من فروع الجهمية، هم من أقل الناس علمًا بالأحاديث النبوية وأقوال السلف في أصول الدين، وفي معاني القرآن، وفيما بلغوه من الحديث، حتى أن كثيرًا منهم لا يظن أن السلف تكلموا في هذه الأبواب".
والخلاصة: وصف هذه الأبحاث الجليلة بـ "الكلام الفاضي" هو سبٌّ لابن تيمية إذ قضى عمره بـ "كلام فاضي" تعرَّض بسببه للسجن والتهديد بالقتل، وحتى جعلُ هذه الأبحاث من ضمن الأبحاث القريبة التي يعذر فيها عامة المخالفين أيضًا طعن في عقل الرجل، فإذا كان البحث قريبًا من البحث الفقهي أو العقدي القريب في سهولته؛ فلماذا قضى كل هذا العمر فيه وصنف فيه كل هذه المصنفات!
بل هذا طعنٌ في السلف جميعًا الذين عظموا أمر الجهمية. وأيضًا محاولة الزعم أن الشيخ له منهج إعذاري متوسع جدًّاً لا أصل له في كلام المتقدمين ولو على سبيل الشبهة فيقال (الشيخ أوسع الناس في كذا وكذا) هذا في حقيقته طعن في التزامه السلفي باتباع المتقدمين، بل يقال إن الشيخ التزم مقالة السلف في كلام الجهمية متقدمهم ومتأخرهم، وإنما نازع في اطرادها في كل الأفراد، وجعل لذلك قرائن وأمارات ولم يجعل الأمر مطلقًا، وأما من يقول أن الشيخ (يعذر في كل كفر) فماذا يصنع بكفر الفلاسفة القائلين بقدم العالم والباطنية وأصحاب وحدة الوجود وكلهم من أهل القبلة وفيهم من يصلي ويصنِّف في العلم، وقد تقدم معنا نقل ابن تيمية لكلام السلف في الجهمية على جهة الإقرار والشرح والاحتجاج.
وأما من يتكثر ببعض المتأخرين من المنتسبين لهذه المذاهب بحجة أن لهم جهودًا علمية، فجهودهم جاءت من جهة انتسابهم لبعض المجتهدين من أهل الحديث أو الرأي، لا من جهة مذهبهم الكلامي، وهم معترفون بأنهم إما مقلدون وإما عالة على علوم المتقدمين الذين نُلزمهم بعقيدتهم.