هل يفهمون المذهبية حقا ؟!
هل يفهمون المذهبية حقا ؟!
يرى عامة طلبة العلم ما يحصل اليوم من الحديث عن المذهبية وكنت قد قلت لبعض طلبة العلم : أنا لا أعرف مذهبية متسقة مع نفسها إلا شيئاً قليلاً وسأشرح هذا المعنى بعدة أمثلة
المثال الأول : بعض المتمذهبين يطعن في حجية فهم السلف ويزعم أنه لا يوجد منهج للسلف في فهم العقيدة ورأيت محاضرة لبعض المالكية يقرر فيه هذا المعنى ويستدل بأنهم اختلفوا في بعض مسائل العقيدة !
ويا ليت شعري هل يمكنه أن يقول أن المالكية أو أهل المدينة لا منهج لهم في فهم الفقه لأنهم اختلفوا في بعض الفروع بل في كثير منها حتى صنف بعضهم في الخلافيات بين مالك وتلميذه ابن القاسم وهذا موجود في كل المذاهب فهو بهذه الحجة اللوذعية يسقط التمذهب الذي يدعو إليه
هذا استدلال حداثي سوفسطائي بامتياز الاستدلال على سقوط الإجماع في مسألة بوجود خلاف في مسألة أخرى وهم لولا خلافهم لما كان لإجماعهم معنى فإن الاجتماع يكتسب قوته من كون المجمعين قادرين على مخالفة بعضهم البعض ثم اتفقوا لظهور الحجة
ولا يوجد علم من العلوم الشرعية ولا الدنيوية إلا وقد اختلف أهلها في دقيق أو جليل وذلك لا ينفي وجود منهج عام يدور بينهم فيه النزاع عند الخلاف
ثم إن مثل هذه الإيرادات ناشئة عن خلل في فهم معنى ( العقيدة ) فهم يظنون أن العقيدة هي المسائل الغيبية وهذا التعريف انتقده ابن تيمية وليس عليه الكتب العقدية السلفية القديمة ولهذا تجد مسألة المسح على الخفين وغيرها تذكر في كتب العقيدة بل المعول على الظهور والخفاء في تصنيف المسائل
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (6/56) :" وأصل هذا ما قد ذكرته في غير هذا الموضع: أن المسائل الخبرية قد يكون بمنزلة المسائل العملية؛ وإن سميت تلك " مسائل أصول " وهذه " مسائل فروع " فإن هذه تسمية محدثة قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين؛ وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب؛ لا سيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة.
وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أن الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها؛ فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها وكثيرا ما يكرهون الكلام في كل مسألة ليس فيها عمل كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة ، بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين " مسائل أصول " والدقيق " مسائل فروع "
ثم إنك لا يمكنك أن تكون مذهبياً ولا تعتد بفهم السلف بصفته معياراً يميز السني من المبتدع ففي كتب المذاهب هناك فصول تتكلم عن الصلاة خلف أهل الأهواء وشهادة أهل الأهواء واستتابة أهل الأهواء والمالكية الذين ينتحلهم هذا من أشد الناس في ذلك حتى أن بينهم نزاعاً مشهورة في إعادة الصلاة خلف أهل الأهواء بين ابن القاسم وسحنون
وأهل الأهواء إذا فصلوا فيهم يذكرون المرجئة والقدرية والخوارج ( الإباضية تحديداً ينصون عليهم كثيراً ) وهؤلاء عندهم استدلالات وإنما صاروا أهل أهواء بمخالفتهم طريقة السلف وإجماعهم وأما الجهمية فهؤلاء يعولون على المعقولات ويدفعون النصوص بالتأويل المتعسف
والعجيب أن هذا المتحدث له فيديو يثني على المعتزلة مع أنه على منهجه يقال المعتزلة لا منهج لهم لكثرة اختلافهم وتنازعهم وتكفيرهم بعضهم بعضاً
قال التوحيدي في البصائر والذخائر :" ورأيت كثيرا من المتكلمين يسرعون إلى تكفير قوم من أله القبلة لخلاف عارض في بعض فروع الشريعة، وهذا الإقدام عندي مخوف العاقبة مذموم البدي، وكيف يخرج الإنسان من دين يجمع أحكاما كثيرة، وقد تحلى منه بأشياء كثيرة ليست خطأ منه، وليس المعارض له بالتكفير بأسعد منه في نقل الاسم إليه؛ كذلك أبو هاشم يكفر أباه أبا علي الجبائي وأبو علي يكفر ابنه، وحدثني أبو حامد المروروذي أن أختا لأبي هاشم تكفر أباها وأخاها؛ وأما أصحاب أبي بكر ابن الإخشيذ كالأنصاري وابن كعب وابن الرماني وغيرهم، فكلهم يكفرون أبا هاشم وأصحابه وجعلا وتلامذته، وخذ على هذا غيرهم، وما أدري ما هذه المحنة الراكدة بينهم، والفتنة الدائرة معهم! أين التقوى والورع والعمل الصالح ولزوم الأولى والأحوط؟"
وعلى هذا يحمل قول ابن تيمية أن أهل العلم يخطئون ولا يكفرون الذي حمله بعضهم على أن الشيخ لا يكفر أحداً مطلقاً وهذا ما قال به أحد ولكنه قصد أن خلافيات الفقهاء تخطئة فحسب وخلافيات المتكلمين تكفير مع غموض المسائل وكون المرء منهم يحدث البدعة ثم يوالي ويعادي عليها
والخلاصة أن أي متمذهب يلزمه الاعتداد بفهم السلف وإلا كانت الفروع الفقهية المتعلقة بأهل الأهواء ساقطة وهذا ينقض عليه تمذهبه
المثال الثاني : بعض الشباب يطرح التمذهب بصفته حلاً لمشكلة الإلحاد ولعله هنا يستظهر رؤية الكوثري ( اللامذهبية قنطرة اللادينية ) والواقع أن مثل هذه النظرة قصور في فهم التمذهب وفهم مشكلة الإلحاد أما القصور في فهم مشكلة الإلحاد فأدعه هنا فالمختصون يعرفون الأمر ولك فقط أن تنظر في أشهر محاربي الإلحاد لتفهم الأمر
=
=
وأما القصور في فهم المذهبية فلأن الإلحاد إنما يقع لمن هو عامي أو شبه عامي في الغالب والمذهبيون لا يخاطبون العوام بالتمذهب في غالبهم وبينهم كلمة سيارة معروفة ( العامي لا مذهب له )
قال ابن عابدين الحنفي في حاشية الدر المختار من كتب الحنفية :" وقد شاع أن العامي لا مذهب له.
إذا علمت ذلك ظهر لك أن ما ذكر عن النسفي من وجوب اعتقاد أن مذهبه صواب يحتمل الخطأ مبني على أنه لا يجوز تقليد المفضول وأنه يلزمه التزام مذهبه وأن ذلك لا يتأتى في العامي"
وفي التعليقة للقاضي حسين على مختصر المزني من كتب الشافعية :" العامي هل له مذهب أم لا؟ اختلفوا فيه، منهم من قال: العامي لا مذهب له، لأنه لا يعرف الدلائل في المسألة، ففرضه التقليد، فعلى هذا له أن يسأل أي فقيه كان سواء كان شفعويا أو حنفيا.
وقال الشيخ القفال رحمه الله عليه، العامي له مذهب، فإن كان شافعيا فليس له أن يقبل قول الحنفي، لأنه لما ميز بين مذهب ومذهب، واختار مذهبا على مذهب تبين عنده بالدليل أن له مذهبا، حتى لو كان في البلد شفعوي، وذاك حنفي ليس له أن يقبل قول الشفعوي، وعلى عكسه عكسه"
وقال النووي في روضة الطالبين :" فإن أبا الفتح الهروي وهو من أصحاب الإمام يقول في الأصول: مذهب عامة أصحابنا أن العامي لا مذهب له، فإن وجد مجتهدا قلده. وإن لم يجده، ووجد متبحرا في مذهب، فإنه يفتيه على مذهب نفسه، وإن كان العامي لا يعتقد مذهبه. وهذا تصريح بأنه يقلد المتبحر في نفسه"
وليس معنى هذا أن يتتبع الرخص بل يأخذ بفتيا من يخذ بدينه على أي شيء كانت أو يأخذ بالأحوط عند اختلاف المفتين والمراد التنبيه عليه أن هذا الحل هو محل اعتراض عند كثير من المذهبيين أنفسهم أو هو حل خاص بحماية طلبة العلم الشرعي من الإلحاد وهذا حل لجزء بسيط من المشكلة إن سلمنا بصحة الحل بل وبصحة وجود المشكلة
والانضباط الموجود في التمذهب قد يوجد نظيره فيمن يلتزم الدليل أيضاً وإنما التفلت المذهب للدين يكون في تتبع الرخص والمحاكمة للذوق الغربي
المثال الثالث : حديث بعض المتمذهبين من الأشاعرة والماتردية أنهم جمهور علماء الأمة ! وهم في العادة يدمجون بين المتقدمين والمتأخرين من الأشاعرة ويغضون الطرف عن الخلافيات بين الماتردية والأشعرية والتي بعضها أصولي عميق يصل إلى التبديع وربما ما هو أعظم ويتجاهل علماء القرون الفاضلة وينسب للأشاعرة من ليس منهم ثم يتحدث بنفس ديمقراطي نحن معظم علماء الأمة بعملية حسابية لا أدري كيف وفقها
ومع كون هذه الحجة قابلة للانتقاض لأن عمر الأمة يزيد فقد يأتي على الأمة ألف عام أخرى يكون جمهور العلماء فيها ليسوا أشاعرة ولا ماتردية بل ربما تنقرض هذه المذاهب تماماً فهي حجة ظنية قابلة للانتقاض فهم يتحدثون وكأن الأمة وقف عمرها هذا وهم من يزعمون أنهم لا يقبلون الظنيات في العقائد علماً الكثرة ليست حجة بشيء وهم على مر تاريخهم يشهدون أن العوام لا يفهمون عقائدهم ولهم في ذلك اعترافات عديدة
ولكن دعنا من هذا كله ، هذه الحجة لا تستقيم مذهبياً فإن المذهبية مبنية على أن المتأخرين ليسوا علماء مجتهدين على الحقيقة وإنما غايتهم الاجتهاد في فهم كلام المجتهدين لهذا لا يجوز تقليدهم ولهذا العلماء في العصور المتأخرة لا يجوز أن يوضعوا في ميزان واحد مع علماء السلف أصلاً
وأصل تشنيع السلفي عليكم أنه يقول أنكم لستم على عقيدة الأوائل فالشافعي مثلاً تواتر عنه ذم علم الكلام وكثير منكم يعترف أن عقيدة الشافعي في الإيمان تخالف عقيدة الأشعري بل الشافعي وغيره من الأئمة كانوا يذمون مرجئة الكوفيين وأنتم جعلتم أنفسكم فرقة واحدة مع أتباعهم علما أنكم تخالفون الكوفيين أيضاً ، والمرء منكم يقول ( عقد الأشعري وفقه مالك ) فهو معترف أنه لم يجد لمالك عقيدة توافق عقيدة الأشعري ولو وجد لنسبت إليه فمالك أجل من الأشعري ولو استطاعوا أن ينسبوا إليه العقيدة لنسبوها له ولا يقال مالك ما تكلم في العقيدة فقد قدمنا أن هناك فروعاً معروفة في التعامل مع أهل الأهواء مع ما روي عنهم في كتب العقيدة
فالمجتهد الواحد في زمن السلف بألف عالم مقلد غايته فهم نصوص إمامه والدوران في فلكه في عقول المقلدة فعلى أي أساس يكاثرون من ينتسب للصحابة والأئمة الأوائل بمتأخرين هم يقرون أنهم ليسوا بشيء أمام الأوائل.
لا تصح هذه الأبيات في مدح علي بن الحسين رضي الله عنهما.
قال أبو نعيم في الحلية حدثنا أحمد بن محمد بن سنان، قال: ثنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعت محمد بن زكريا، قال: أخبرنا ابن عائشة، عن أبيه، قال: " حج هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة، فاجتهد أن يستلم الحجر فلم يمكنه، وجاء علي بن الحسين فوقف له الناس وتنحوا حتى استلمه، قال: ونصب لهشام منبر، فقعد عليه، فقال له أهل الشام: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أعرفه، فقال الفرزدق: لكني أعرفه، هذا علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما
[البحر البسيط]
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... عند الحطيم إذا ما جاء يستلم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف ما أنكرت والعجم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... ولا يكلم إلا حين يبتسم "
أقول : هذه القصة اشتهرت وبعضهم يزيد فيها أن هشاماً سجن الفرزدق وأن علي بن الحسين افتكه وأن الفرزدق تحدث عن الغضب لله ورسوله وكل من يعرف الفرزدق وقرأ أخباره يعرف أنه من أبعد الناس عن مثل هذه المواقف
وهذا الخبر في سنده محمد بن زكريا الغلابي اتهمه الدارقطني بوضع الحديث وقد خولف عن ابن عائشة فدل على نكارة روايته
قال الفاكهي في أخبار مكة 1357 - حدثني أبو سعيد عبد الله بن شبيب قال: حدثني ابن عائشة قال: أخبرني أبي قال: دخل الفرزدق مكة فإذا هو بعلي بن عبد الله بن جعفر يطوف بالكعبة في حلته , وهو محرم , فقال: ويحكم يا معشر أهل مكة، من هذا الرجل الذي يطوف بالبيت , والله ما رأيت أحسن من وجهه، ولا من حلته , قالوا: هذا علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب , ولفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأنشأ يقول هذه الأبيات التي ينشدها الناس:
[البحر البسيط]
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
أي القبائل ليست في رقابهم ... لأولية هذا أو له النعم
ويقال: إن الرجل الذي قال فيه الفرزدق هذا محمد بن علي
أقول : وهذه تخالف رواية محمد بن زكريا الوضاع فهذه الرواية فيها أن الفرزدق نفسه من سأل عن هذا الشخص ( من هو ) بخلاف رواية محمد بن زكريا التي تجعل السائل هشام بن عبد الملك
وزيادة على ذلك الرواية في علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وليس علي بن الحسين وقد شرح ابن عبد البر في بهجة المجالس سبب ذكر فاطمة في الرواية فقال : وأما قوله في الخبر الأول: ولفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فإن علىّ بن عبد الله أمه زينب بنت علىّ بن أبي طالب، وأمّها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول من قال: إن هذا الشّعر قيل في علىّ بن عبيد الله بن جعفر، أو في محمد بن علي بن حسين أصح عندي من قول من قال: إنه في علىّ بن حسين، لأن على بن حسين توفي سنة ثلاث أو أربع وتسعين، وهشام بن عبد الملك إنما ولى الخلافة سنة خمس ومائة، وعاش خليفةً عشرين سنة، وجائز أن يكون الشعر للحر بن عبد الله في محمد بن علي بن حسين، وممكن أن يكون للفرزدق في محمد ابن علي بن حسين بن أبي جعفر - وإن كان له في أبيه علي بن حسين - فلم يكن هشام يومئذ خليفةً كما قال أبو علي في روايته، وأما قول الزبير: إنه قيل في قثم ابن عباس، فليس بشئ، وإنما ذاك شعر قيل في قثم على قافية هذا الشعر وعروضه ليس هو هذا.
أقول : وكذلك طعن في كونها قيلت في علي زين العابدين الأصفهاني صاحب الأغاني مع كونه مذكوراً بالتشيع وتابعه على ذلك الطعن مغلطاي في إكمال تهذيب الكمال
=
=
قال مغلطاي في إكمال تهذيب الكمال : وفيه نظر في مواضع:
الأول: قال أبو الفرج الأصبهاني: الناس يرون هذين البيتين للفرزدق في أبياته التي مدح بها علي بن الحسين التي أولها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
وهو غلط ممن رواه، وليس هذان البيتان مما يمدح بهما مثل علي بن الحسين؛ لأنهما من نعوت الجبابرة والملوك، وليس علي كذلك، ولا هذا من صفته، وله من الفضل المتعالم ما ليس لأحد. فمن الناس من يروي هذين البيتين لداود بن سلم في قثم بن العباس، ومنهم من يرويهما لخالد بن يزيد مولى قثم فيه. فمن رواهما لداود أو لخالد فهي في روايته:
كم من صارخ بك من راج وراجيه ... يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم
أي العمائر لست في رقابهم ... لأولية هذا أوله نعم
في كفة خيزران.
وممن ذكر ذلك لنا محمد بن يحيى عن الغلابي عن مهدي بن سابق أن داود بن سلم قال: هذه الأربعة الأبيات في قثم بن العباس، وذكر أن الفرزدق أدخل هذه الأبيات سوى البيت الأول في مدح علي بن الحسين.
الله يعلم أن قد جئت ذا يمن ... ثم العراقين لا يثنى الشام
ثم الجزيرة أعلاها وأسفلها ... كذاك تسري على الأهواك بي القدم
ثم المواسم قد أوطنتها زمنا ... وحيث يحلق عند الجمرة اللهم
قالوا دمشق نبأك الخبير بها ... ثم أت مصر فثم النائل العمم
لما وقفت عليها في الجموع ضحى ... وقد تعرضت الحجاب والخدم
حييته بسلام وهو مرتفق ... وصحبة القوم عند الباب يزدحم
في كفه خيرزان. . . البيتين.
وبعدهما: -
ترى رؤوس بني مروان خاضعة ... وإن هم أنسوا أعراضه وجموا
كلتا يديه ربيع غير ذي خلف ... فتلك بحر وهذي عارض هزم
وأخبرني حبيب بن نصر المهلبي، ثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي أن عبد الله بن عبد الملك بن مروان حج، فقال له عبد الملك: سيأتيك الحزين الشاعر بالمدينة، وهو ذرب اللسان، فإياك أن تحتجب عنه ووصفه له، فلما قدم عبد الله المدينة وصفه لحاجبه، وقال: إياك أن ترده، فلم يأت الحزين حتى قام عبد الله لينام، فقال له الحاجب: قد ارتفع، فلما ولَّى ذُكِرَ فلحقه فرجع به واستأذن له فدخل، فلما رأى جمال عبد الله وبهاءه، وفي يده قضيب خيزران وقف ساكتا فأمهله [ق 135 / ب] عبد الله حتى ظن أن قدأ راح ثم قال: السلام يرحمك الله، قال: عليك السلام، وحيا الله رحمك أيها الأمير إني كنت مدحتك بشعر فلما، دخلت عليك ورأيت جمالك وبهاءك أذهلني عنه فأنسيب ما كنت قلته، وقد قلت في مقامي هذا بيتين، قال: ما هي؟
فأنشده. في كفه البيتين، فأجازه وأخدمه.
قال أبو الفرج: ومن الناس من يقول: أن الحزين قالها في عبد العزيز بن مروان لذكره دمشق ومصر، انتهى.
وزعم أبو بشر الآمدي في كتابه " المختلف والمؤتلف ": أن دعبلا أنشد هذا [. . . . . . . لكثير بن كثير في علي بن الحسين بن علي].
أقول : وبقي أن يقال أن هناك رواية في الطبراني مسلسلة بالمجاهيل والضعفاء مع إعضالها في ذكر الفرزدق وهناك رواية الزبير بن بكار في أخبار مكة أن الأبيات قيلت في قثم وهي أقوى الروايات إسنادياً لولا نقد ابن عبد البر المتني لها وقد رجح هذه الرواية الصفدي والخلاصة أن الأبيات لا يصح أنها قيلت في علي زين العابدين وأما قصة سجن الفرزدق في الأبيات وواستنقاذ علي زين العابدين له فأسطورة من الأساطير.
مشكلة غلبة المزاج الديمقراطي.
كثير من الإشكالات العقدية التي تظهر عند المسلمين في الأزمنة المتأخرة ولا يكون لها أي أثر عند المتقدمين ينبغي أن ينظر إلى أسبابها من خلال السياق الزمني ومؤثراته
فخذ مثالاً استشكال بعض الناس لكون الجنة للمسلمين فقط كما يعبرون أو أنه لا يدخلها الكفار بكفرهم
أحد أسباب هذا الإشكال غلبة المزاج الديمقراطي وذلك أنهم اعتادوا على اعتبار الأكثرية المعيار الصواب أو الأصوب وبالتالي فكون الأكثرية هالكة كما هو ظاهر القرآن ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) أمر منفور منه
وكأن المقياس ينبغي أن يكون عند رب العالمين على الأكثر والأقل وليس على الأصوب ومن النفسية عينها تخرج استشكال حديث الافتراق ومحاولة معارضته بحديث ( أمتي أمة مرحومة ) مع أنه لا تعارض ولكن كيف تم ترجيح حديث على حديث ؟ هذا هو مربط الفرس فكون الوحي للعالمين ما نفى ذلك كون أكثرهم لا يؤمنون فالإنسان يرحم من وجه ويقام عليه ما يستحقه من العقاب من وجه آخر ولو طردنا فهمهم لخبر الأمة المرحومة على فرض صحته لسقطت نصوص الوعيد والشفاعة كلها لأن عامتها تنص على وجود عذاب لفئام من الأمة على ذنوب اقترفوها علما أن كوّن ٧٢ فرقة في النار لا يعني أن معظم الأمة ضرورة في الناس فقد يكون عدد الفرقة الناجية أكثر من كل هذه الفرق مع كوّن دخول النار لمن هو من أهل الملة لا يعني الخلود بل هو تطهير ثم مآله الجنة
وكذلك الحديث عن كون الفرقة الفلانية منها أكثر علماء الأمة هو ضمن الاحتكام لهذا المزاج
وحتى استشكال حديث ( رأيتكن أكثر أهل النار ) كان باستلهام واقع الأحزاب في البرلمانات الديمقراطية حيث كل إنسان جزء من حزب يعتبر مقعده من مقاعدهم وبالتالي له ما لهم وعليه ما عليهم فصار حزب رجال وحزب نساء فصارت رذيلة الداخلات للنار تحفظ النساء اللواتي لا علاقة لهن بالأمر فقد يكن من ( الأقل ) الداخل وقد يكون أي رجل هنا من ( الأكثر ) غير الداخل والمرء يأتي يوم القيامة فرداً وإن كان هو ضمن أمة أصالة
ثم إن معيار الأكثرية في الديمقراطية من أين جاء ؟
لقد جاء من عدم وجود أي مرجعية معتبرة يمكن المصير إليها عند التنازع وهذا فرع عن القول بنسبية الحقيقة وعدم وجود وحي يفصل في القضايا الكلية الكبرى فانتهينا إلى معيار رياضياتي ( والرياضيات أصدق علومهم ) وهو اعتبار أكثر الأصوات مرجحاً
علماً أنهم ما استطاعوا طرد هذا المعنى بل وضعوا شروطاً للمصوت والمصوت له وقواعد دستورية يدور ضمنها التشريع والعملية الانتخابية وهذه الشروط والقواعد كلها قادمة من قيم متعالية على مقياس الأكثرية
لهذا هم ما استطاعوا الوفاء بشرط ( إسقاط جميع الأبويات ) ووقعوا في استبداد رأي من نوع آخر لأن مفهوم إسقاط جميع الأبويات بمعنى عدم التحاكم لمقياس غير قول الأكثرية مفهوم طوباوي غير ممكن التحقيق
من ضمن ( الأبويات ) الدين والنص والذي بسبب غلبة المزاج الديمقراطي في إسقاط الأبويات تم الاحتيال على النص بقولهم ( النص معصوم ولكن فهمه غير معصوم ) فانتهوا إلى كون النص ليس فيه هداية ولا نور حتى لعامة علماء الأمة وإنما الهداية جاءت من الغرب الذين لا وحي عندهم ومن خلالهم عرفنا الفهم الصحيح للوحي بعد أن ضل عن ذلك عامة علماء الأمة ولا ريب أن هذا الكلام مساوق لإنكار أصل الوحي
إذا فهمت أن من ضمن ( الأبويات ) الدين فكيف تأتي إلى نظام مبني على إسقاط الدين وتريد قراءة الدين من خلال مزاج متأثر به بل من إعجاز الوحي أن يكون مناقضاً لهذه الأفكار التي بنيت على إنكاره وإلا كان متناقضاً مختلفاً مثلها ، وإذا فهمت أن العملية الانتخابية ليست إلا تطبيقاً لفلسفة مبنية على إسقاط الأبويات علمت أن تشبيه هذه العملية بالشورى أو نحوها من المعاني الشرعية خطأ فإن العمليات الشرعية مشروطة بالالتزام بالوحي أو مقاصده العامة وأما تلك العملية فبنيت أصالة على عدم وجود شيء متعالي
ودائماً أقول تكون هناك فلسفة إلحادية تبنى عليها نتائج ثم تبنى على هذه النتائج نتائج وهكذا حتى نصل إلى مرتبة رابعة أو خامسة فيأتيك منتسب للملة يحاول التلفيق بين المرحلة الخامسة أو الرابعة من نتائج الفلسفة الإلحادية والشريعة ويظن أنه بذلك يأتي بحلول عملية أو قراءة متحررة من التعصب للإسلام وما به إلا العجلة والكلف بالدنيا هذا أحد أسباب الحالة التي نعيشها وإلا فالأمر أعمق من ذلك ولكن هذا ملحظ قل المنبهون عليه فأردت التنبيه عليه بكلام مختصر.
إياك وأن تفقد كنزك العظيم ( لذة الطاعة )
حين يبدأ الإنسان بالتنسك أو ما يسمى في عصرنا (الالتزام ) يدب إلى قلبه شعور عجيب عند الذكر والصلاة وأداء عموم العبادات اصطلح الناس على تسميته ب( لذة الطاعة )
هذه اللذة لا يمكن وصفها بألفاظ يسيرة ولكنها معنى يجعلك تشعر بالاتصال بالسماء
هذا المعنى يستمد من عدة عوامل منها عامل الشعور بالغائية ومنها عامل الشعور بالانجاز والمقدرة على التغير إلى الأحسن بعد ترك الكثير من الذنوب والاقبال على الطاعات ومنها عامل الشعور بالانتماء لجماعة الأنبياء والأولياء والصالحين على مر التاريخ
وغيرها من العوامل غير أن الإنسان لم يولد ملتزماً ولا زال للشر بقايا في قلبه لذا تجده عنده بقايا ذنوب أو بقايا رعونات يحتاج إلى مزيد مجاهدة وتعلم للتخلص منها
غير أن قسماً كبيراً من المجتمع يمارس ممارسة سوء مع الانسان حديث العهد بالالتزام تكون بداية فقدان لذة الطاعة عنده وهي أنهم إذا رأوا يفعل شيئاً خطأ أو شيئاً يرون أنه خطأ
يذكرون له طاعاته والتزامه فيقول : أنت الذي تصلي وتفعل وتفعل ويصدر منك هذا . وقد يكون قصدهم حسناً في نهيه عن هذا الأمر ولكنهم في الغالب يبيحون لأنفسهم ما يحرمون عليه ويقصدون بذلك كن مثلنا ودع عنك أحوال ( القديسين ) فلا تقدر عليها !
وهنا تبدأ لذة الطاعة تتفلت لأن هذه الطاعات صارت مرتبطة بذهنه بأنه ربما يكون منافقاً أو يلبس ثوباً أوسع منه وغيرها من هذه المعاني ويعيش في صراع مع نفسه فمنهم من يترك الالتزام ومنهم من يقبل على العلم بقلب عليل علل هذا القلب تظهر في البحث العلمي
وعلاج هذه الآفة أن تدرك مشكلة ( وهم الكمال ) والتي من خلالها بنى المجتمع ما بنى من إشكالاته تجاه الشاب فلا يوجد إنسان كامل لا على الصعيد الديني ولا الدنيوي والحرص على الطاعات علامة خير على كل حال وما ينقمونه على الشاب كلهم يقع فيه فعامتهم يظهر الإسلام ومع ذلك لا يلتزم بعموم أحكامه ومنهم من يصلي في المسجد ولكنه لا يضبط لسانه ولا الأمانة في البيع والشراء
وقد رأيت من الشباب من تسلل الإلحاد إلى قلبه بسبب ظنه أن المسلم لا يكون مسلماً إلا هذا إذا كان كاملاً لا ذنوب عنده فقد طرد هذا التعيير الذي يقع لبعض الملتزمين وعممه على كل المنتسبين للملة
والواقع أن الإسلام واقعي وأن عامة الفلسفات التي يؤمن بها الشباب اليوم طوباوية غير ممكنة التحقيق فالتوبة والاستغفار ما وجدت إلا لكون الناس يذنبون وقد قص الله علينا ما كان من آدم وخطيئته وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون فلا إفراط ولا تفريط
وأنت أيها الشاب لَم تتنسك لترضي الناس ولا يغرنك كلامهم فكله مبني على أفكار فاسدة جاءتهم من التأثر بالنصارى وأنك ينبغي أن تكون كالرهبان إذا قررت التدين وبدلاً من أن تفقد لذة الطاعة الجأ للطاعة لتستعين على كلامهم وإرجافهم ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين )
وقال الله تعالى : ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي أمامة قال: قال رجل: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: «إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن»
فافرح بحسنتك دون أمنٍ مِن مكر الله ولتسؤك سيئتك دون قنوط ومفتاح ذلك أن تحمد الله على الحسنة وتغتبط بها وتستغفر من الذنب ولا تيأس ولا يحملك تأخرك في التوبة عن ذنب على استحقار ما معك من الطاعات فتتركها وتُقبل بكليتك على الذنوب فهذا سوء ظن بالله وفساد عقيدة فكأنك على عقيدة الخوارج الذين يكفِّرون بالذنوب وكثير من الناس ينكر هذه العقيدة بلسانه ولكنه يمارسها في واقعه واليوم كثير من الناس مع أنفسهم والعامة مرجئة ومع الملتزمين خوارج ! بل ربما أشر فالخوارج يكفرون بالكبائر دون الصغائر غير أن بعضهم يبحث للملتزم عن أي زلة وبعض الملتزمين يفعل ذلك مع نفسه فيوسوس ويحاسب نفسه جدا على أدنى تقصير في أداء العبادة يعتبره بمنزلة تركها بالكلية أو ترك ركن من أركانها عمدا
وكثير من متتبعي الرخص من المنتسبين للعلم هم خضعوا لهذا الإرهاب فهم لما فقدوا لذة الطاعة عادت قلوبهم خالية وصاروا يريدون لذات المحرمات أو الأمور المشتبهة وهذا سر تألمهم على بعض المباحات ( أو ما يزعمون أنه مباحات ) التي تركوها فهم في واقعهم يتألمون على لذة الطاعة التي فُقدت ولكنهم أخطأوا الطريق
ومنهم من كانت هذه المباحات أو ما يزعم أنها مباحات سبب تعيير الناس له وهو الآن يحاول أن يثبت لهم أنه لا شيء فيها وأنه إن وقع فيها فلم يفقد قديسيته ! ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره )
حقيقة الخلاف بعيداً عن التسطيح.
قال شيخ الإسلام :
وكانت المعتزلة تقول : [ إن الله منزه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والحدود ]
ومقصودهم من هذا : نفي الصفات ونفي الأفعال ونفي مباينته لخلقه - عزوجل - وعلوه على العرش
وكانوا يعبرون عن مذاهب أهل الإثبات من أهل السنة بالعبارات المجملة التي تشعر الناس بفساد المذهب
فإنهم إذا قالوا : [ إن الله منزه عن الأعراض ] لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما ينكر ! لأن الناس يفهمون من ذلك أنه منزه عن الاستحالة والفساد
كالأعراض التي تعرض لبني آدم من الأمراض والأسقام ، ولا ريب أن الله - عزوجل - منزه عن ذلك
ولكن مقصودهم : أنه ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ولا كلام قائم به ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونها أعراضاً
وكذلك إذا قالوا : [ إن الله منزه عن الحدود والأحياز والجهات ] أوهموا الناس أن مقصودهم بذلك : أنه لا تحصره المخلوقات ولا تحوزه مصنوعات وهذا المعنى صحيح
ولكن مقصودهم : أنه ليس مباينا للخلق ولا منفصلا عنه ، وأنه ليس فوق السماوات رب ! ، ولا على العرش إله ، وأن محمدا لم يعرج به إليه
ولم ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يتقرب إليه شيء ولا يتقرب إلى شيء ولا ترفع إليه الأيدي في الدعاء ولا غيره
ونحو ذلك من معاني الجهمية.
وإذا قالوا : [ إنه ليس بجسم ] أوهموا الناس أنه ليس من جنس المخلوقات ولا مثل أبدان الخلق ، وهذا المعنى صحيح .
ولكن مقصودهم بذلك : أنه لا يُرى ولا يتكلم بنفسه ، ولا تقوم به صفة ولا هو مباين للخلق وأمثال ذلك .
وإذا قالوا : [ لا تحله الحوادث ] أوهموا الناس أن مرادهم أن لا يكون محلا للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم
وهذا معنى صحيح .
ولكن مقصودهم بذلك : أنه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه ، ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته وأنه لا يقدر على استواء ولا نزول أو إتيان أو مجيء
وأن المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند خلقها فعلٌ أصلا ! ، بل عين المخلوقات هي عين الفعل !
ليس هناك عندهم فعل ومفعول وخلق ومخلوق بل المخلوق عين الخلق ! والمفعول عين الفعل !
ونحو ذلك ...
[ درء التعارض المجلد الأول - القسم الثاني صفحة رقم 345 وما بعدها ]
أقول : إذا فهمت كلام الشيخ هذا ستعرف سبب شدة السلف على هؤلاء الجهمية فإن حقيقة قولهم أن ظاهر القرآن والسنة تشبيه وكفر وهذا سب ظاهر للوحي وهو مساوق لإنكاره
وما كان المنافقون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أهل الردة يصرحون بالكفر بالرسالة صراحة بل كانوا يظهرون الإيمان بها ولكنهم ينقضون أركانها وما كان من أهل الكلام في نقض الأركان أعظم لمن تدبر.
=
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى :" وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة؛ يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما وإنما كانوا يلوحون تلويحا وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان. وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية ولكن السلف والأئمة أعلم بالإسلام وبحقائقه فإن كثيرا من الناس قد لا يفهم تغليظهم في ذم المقالة حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى فلما اطلع السلف على سر القول نفروا منه. وهذا كما قال بعض الناس: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء"
وما ذكره ابن تيمية من عدم فهم بعض الناس لمقالات المخالفين ثم بعد ذلك تجده ينكر على السلف تغليظهم كثر في زماننا لسوء في الفهم أو سوء في القصد خصوصاً من بعض متوسطي المذهبيين ممن ينشأ أحدهم على حفظ الفروع والمنظومات والأشعار وتجد خبرته بأحوال السلف ضعيفة يأخذها من كتب الأدب وتراجم المتأخرين فترى المرء منهم يحسن الإكثار من الكلام على غير تحقيق ويظنهم الجهال أنهم هم العلماء بهذا ثم تجد الواحد يأتي إلى المسألة التي كان الناس يكفر بعضهم بعضاً بها
ويزعم أن القول فيها يسير فكأن كل هؤلاء العلماء كانوا حمقى فإن تكفير خصم في مسألة وقولك وقوله واحد هو أعلى درجات الحمق التي ينبغي أن ينزه عنها حتى أذكياء الكفار فإن تناقضاتهم لا تكون في مثل هذا ولكن هؤلاء _ أدعياء العلم أو المذهبية _ لما كانت علومهم تكثير دون تحقيق كانوا يتأثرون بأي قالب عصري يعيشون فيه فتصدر منهم العجائب ويكون الكلام الكثير الذي يحسنونه فتنة لكل مفتون هذا مع جهلهم أو تجاهلهم للآثار وكتب الآثار العتيقة التي تحوي أحوال السلف حقيقة وتفصيلا ويزيد هؤلاء الأدعياء على ذلك شقشقة تعلموها من المناطقة يحسبها الضمآن ماءا والمتكلمون حاولوا بالشقشقة الكلامية اخفاء حقيقة أقوالهم ومع الأسف يتابعهم بعض المنتسبين للسنة أو أدعياء التمذهب ممن لهم هوى حركي أو إنسانوي فيوهمون الناس أنها خلافيات متخصصة ولا علاقة لها بحقيقة الإيمان بالوحي
ومن ضعف فهم الخلاف أنه يأتيك بتفاسير مروية عن السلف لبعض الآيات ثم يقول ( هذا تأويل ) وهذا غلط فإنك لا تسميه تأويلاً حتى يقول العالم من أئمة السلف ( هذا ظاهر لا يجوز اعتقاده والله منزه عن ذلك لذا أصرف اللفظ عن ظاهره لمعنى آخر ) وهذا لا تجد له حضوراً في كلام السلف نهائياً بل الكتب نفسها التي يزعمون أن فيها تأويلات فيها روايات لا تحصر ظاهرها الإثبات
والمثبت لا يحتاج بينة على أن السلف على مذهبه لأن الفريقين متفقان على أن الظواهر توحي بالإثبات وهي ظواهر كثيرة جداً ومن علم نصح السلف علم أنهم لو رأوا أنه لا يجوز للمرء اعتقاد هذه الظواهر لقالوا للناس ذلك أو أشاروا إليه ولو إشارة فما بالك وعامة أخبارهم على نقيض هذا