كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

مع المذهبية واللامذهبية من جديد !

المصدر
مع المذهبية واللامذهبية من جديد ! من الأمور التي ذكرتها في صوتية سواك ابن تيمية ولقاء الديوانية أن هناك أموراً في كتب متأخري المذهبيين لا أصل لها في كتب الأئمة المجتهدين ولا متقدمي أصحابهم ويأخذها بعض المتمذهبين المعاصرين أخذ المسلمات ويتسامحون في نسبتها إلى الأئمة وهكذا يظن العامة أيضاً وأن هذه الأمور كانت محط نقد ونظر عند عدد من المحققين ، وكنت قد أشرت أيضاً إلى أن هناك فروعاً شافعية ذكرها بعض الحنابلة في كتبهم واعتمدها وهنا سأذكر مثالاً وقبل أن أذكر أود التنويه على أنني لا أزهد في كتب الفقه وأنتقد الظاهرية وفروعها التي لا تسير على طريقة الأئمة في أصول الاستدلال ولكن لا بد من الإنصاف والتحرير والمراجعة العلمية المثال هو ما اشتهر في كتب عدد من الشافعية والحنابلة أن المؤذن إذا قال : الصلاة خير من النوم ترد عليه بقولك : صدقت وبررت . قال المرداوي في الإنصاف :" الخامس، أن يقول عند التثويب: صدقت وبررت. فقط، على الصحيح من المذهب" حين يقرأ طالب العلم عبارة ( على الصحيح من المذهب ) يتصور أن هناك رواية عن الإمام أحمد في الأمر والواقع أنه لا توجد رواية عن أحمد ولا عن كبار أصحابه في الأمر قال ابن تيمية في شرح العمدة :" قال بعض أصحابنا: ويقول إذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم صدقت وبررت أو نحو هذا" تأمل دقة الشيخ في قوله ( قال بعض أصحابنا ) فالأمر لا أصل له في كلام أحمد ولا في كلام عامة متقدمي الأصحاب فمن أين جاء هذا الأمر ؟ الواقع أنه جاء من الشافعية( وأقدم من ذكرها القاضي حسين في التعليقة المتوفى في القرن الخامس الهجري ) ولكن السؤال أيضاً من أين جاء به الشافعية ؟ وهنا الجواب الصادم : أن عدداً من حفاظ الشافعية نصوا على أنهم لم يجدوا لهذا القول أصلاً جاء في تحرير الفتاوى لولي الدين العراقي الشافعي :" (وإلا في التثويب، فيقول: صدقت وبررت)، قال في " الكفاية ": لحديث ورد فيه، ولم يذكره، ولم يقف عليه" قال المحقق لهذا الكتاب عبد الرحمن فهمي الزواوي :" قال القاري: قولهم عند قول المؤذن: (الصلاة خير من النوم): (صدقت وبررت وبالحق نطقت) استحبه الشافعية، قال الدميري: وادعى ابن الرفعة أن خبراً ورد فيه لا يعرف قائله. انتهى وقال ابن الملقن في " تخريج أحاديث الرافعي ": لم أقف عليه في كتب الحديث. وقال الحافظ ابن حجر: لا أصل له. انتهى وقال ابن حجر المكي في "التحفة": وقول ابن الرفعة: لخبر فيه، رد بأنه لا أصل له، وقيل: يقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى وأجاب الشمس الرملي عن اعتراض الدميري على ابن الرفعة: بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. انتهى، وفيه إشارة إلى اختياره استحبابه فتأمل وقال النجم في (صدقت وبررت): لا أصل لذلك في الأثر، قال: وكذلك قول كثير من العوام للمؤذن مطلقاً: صدقت يا ذاكر الله في كل وقت .. لا أصل له فاعرفه. انظر " التلخيص الحبير " (1/ 211)، و" نهاية المحتاج " (1/ 422)، و" كشف الخفاء " (28/ 2/ 1592). " وحتى الأحناف وجد فيهم من أخذ هذا من الشافعية وأما المالكية ففي شرح مختصر خليل للخرشي :" قال بعضهم: لم أقف لأهل المذهب على ما يقوله الحاكي عند قول المؤذن في صلاة الصبح الصلاة خير من النوم على مقابل المشهور وحكى النووي فيه قولين فقال يقول صدقت وبررت بكسر الراء الأولى، وقيل يقول صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة خير من النوم" فتأمل كيف أن المتقدمين من المالكية ما تكلموا بهذا وأما المتأخرون فلهم وجهان والواقع أن متقدمي المذاهب الفقهية المشهورة ما تكلموا بهذا قط وإنما اشتهر بين المتأخرين بوهم بعض الشافعية ومتابعة الناس له على ما وهم فيه حين ادعى أن الأمر خبراً وليس كذلك وقد اعترض بعض متأخري المالكية على هذا كما جاء في الشرح الكبير للدردير :" ولا يحكي الصلاة خير من النوم ولا يبدلها بقوله صدقت وبررت" وقد وجد هذا التنصيص في عدد من كتب المالكية والآن هذه المسألة لو بحثت على الطريقة المحدثة سيقول لك : ( معتمد الشافعية والحنابلة والحنفية ووجه عند المالكية أن يقول هذا ) فحين يقرأ العامي أو المبتديء هذا يظن أن المقصود أئمة المذاهب الأوائل وليس جماعة من المتأخرين فحسب وأن هذا الأمر لا أصل له في السنة أو الآثار أو كلام المجتهدين أو كبار أصحابهم في القرون المتقدمة وإذا كنا نتضايق من مخالفة الإجماعات الخفية أو أقوال الجمهور دون فهم أدلتها من بعض الناس فينبغي أن نقف لمثل هذا أيضاً فإنه لا يقف على مسألة أو مسألتين ولا يجعلن المرء كل همه الحط على ما يسميه ( سلفية معاصرة ) بحيث لا يتحمس لهذا الملف لأنه سيكون فيه مدحاً للسلفية المعاصرة لتنبهها لهذا الأمر فلا مشكلة أن تنتقدهم من وجه وتظهر فضلهم من وجه آخر ولا يفهم من هذا أن الكتب المذهبية العتيقة هكذا بل كتب المتأخرين هي التي فيها شيء من هذا وهذا نادر في كتب الأوائل وأهل التحقيق في كل زمان في كتبهم النفع الكبير وكما ترى يوجد في المتأخرين من نبه وأشار وحقق.