كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

بين (يشهده من شاء) و(أشهد على هذا غيري).

المصدر
بين (يشهده من شاء) و(أشهد على هذا غيري). قال الخلال: أخبرني عبد الملك الميموني، قال: سمعت أبا عبد اللَّه يذكر الجهمية، فقال رجل لأبي عبد اللَّه: أرأيت إن مات في قرية ليس فيها إلا نصارى، من يشهده؟ قال أبو عبد اللَّه مجيبا: أنا لا أشهده، يشهده من شاء. قال لي أبو عبد اللَّه: غير واحد يحكي عن وكيع أنه قال: كافر. "السنة" للخلال 2/ 185 - 188 (1702 - 1713). أقول: هذه الرواية عن الإمام أحمد توجد مختصرة في عدد من الكتب المتأخرة وقد أخذ منها بعض الناس من قول الإمام (أنا لا أشهده يشهده من شاء) أن الإمام يهون في تكفير الجهمي المعين، وفي هذا نظر من وجهين: الأول: نقل أحمد عن وكيع بعدها أن الجهمي كافر وهذا عند أحمد احتجاج وهو بمنزلة التعليل للحكم المذكور. الثاني: أن الكلام هنا ليس عن جهمي بعينه (فلان بن فلان) حتى ينظر في حاله هل توفرت الشروط وانتفت الموانع وإنما الكلام عن مطلق الجهمي وعادة الإمام في رواياته في هذا الباب الشدة والتعليل بأن الجهمي كافر. خذ مثلاً: قال الخلال: أخبرني يعقوب بن يوسف أبو بكر المطوعي، قال: سمعت محمود بن غيلان قال لأحمد بن حنبل: إن يحيى بن يحيى النيسابوري قال: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر. لا يكلم، ولا يجالس. فقال أحمد: ثبت اللَّه قوله. "السنة" للخلال 2/ 316 - 317 (2089 - 2091) وأيضاً : قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من قال: القرآن مخلوق؛ فإن مرض فلا تعده.قال الخلال: أخبرني محمد بن جعفر ومحمد بن موسى أن أبا الحارث حدثهم أن أبا عبد اللَّه قال: لا يعادون. قال الخلال: أخبرنا أبو بكر قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من قال: القرآن مخلوق؛ فلا تشهد جنازته. قال الخلال: أخبرني محمد بن جعفر، ومحمد بن موسى، أن أبا الحارث حدثهم قال: قال أبو عبد اللَّه: لا يصلى عليه. "السنة" للخلال 2/ 317 (2093 - 2096) وأيضاً: رواية الصلاة حين سئل عن الصلاة خلف من يشرب المسكر فنهى عن ذلك فسئل عمن يقول القرآن مخلوق فقال: أنهاك عن مسلم وتسألني عن كافر! وما ثبت من إفتائه بعدم توريث الجهمي وتعليله بالكفر وإنكاره على من يرد السلام على الجهمي وإنكاره قياسه على اليهودي والنصراني وقوله على جهة النهي (لا تصل على الجهمي والرافضي). وأيضاً: ما ثبت من أنه أنكر على من صلى ابن أبي دؤاد والجهمي المذكور في السؤال قد يكون مثل ابن أبي دؤاد. وفي عامة ما مضى؛ الأحكام على الأعيان في كلام الإمام أمر ظاهر لأن الأسئلة عن معينين، إذن ما وجه قوله: يشهده من شاء. والوارد عنه في الغالب إنكار مثل هذا؟ الجواب: أن هذا من باب (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) تخيير المراد منه التهديد أو التبكيت أو كمثل قوله في الحديث (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت). وقد ورد في حديث النعمان بن بشير في العطية أن والده أعطى بعض أولاده عطية ولم يعط الآخرين فذهب ليشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال (لا تشهدني على زور) وفي لفظ آخر (أشهد على هذا غيري) وكان مذهب أحمد أن هذا الضرب من العطية لا يجوز مستدلاً بقوله (لا تشهدني على زور) ومن أجاز من الفقهاء كالشافعي تمسك بقول النبي صلى الله عليه وسلم (أشهد على هذا غيري) وقالوا هذا تخيير فدلَّ على صحة الأمر وإن لم يكن فاضلاً. فأبى أحمد هذا عليهم وحمل لفظة (أشهد على هذا غيري) على الإنكار لا الإقرار كالوارد في حديث (إن لم تستح فاصنع ما شئت) بقرينة الرواية الأخرى (لا تشهدني على زور) قال صالح: قال أبي: النحل: أذهب إلى حديث النعمان بن بشير، قال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ارْدُده". قلت له: قال: "أَشْهِد غَيْرِي" . وقال في المديون: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "صلُّوا عَلَى صاحبكم" . فقال في ذلك: "لا أَشْهَد"، وهذا لا يشبه المديون، وقد صلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على صاحب الدين بعد . "مسائل صالح" (1070). قال ابن قدامة في المغني: (وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فأشهد على هذا غيري» . ليس بأمر؛ لأن أدنى أحوال الأمر الاستحباب والندب، ولا خلاف في كراهة هذا. وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده، مع أمره برده، وتسميته إياه جورا، وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - على التناقض والتضاد. ولو أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإشهاد غيره، لامتثل بشير أمره، ولم يرد، وإنما هذا تهديد له على هذا، فيفيد ما أفاده النهي عن إتمامه. والله أعلم). ولو تدبرت أثر الميموني لوجدته من هذا الباب ويحتف به من القرائن نحو ما احتف بالحديث من قرائن تفيد هذا الفهم. وللتو رأيت تنبيها لبعض الأخوة أن الإمام أحمد يتكلم عن الشهود للجنازة لا الصلاة وشهود الجنازة أعم من الصلاة فعنه رواية بجواز شهود جنازة الكافر فهذه الإفادة مع توضيحي هنا يتم بهما المقصود. حينما كاد الألمان أن يأخذوا دمشق (المدن الناجية والمدن العائدة) قال ابن الأثير في الكامل في التاريخ: "ذكر حصر الفرنج دمشق وما فعل سيف الدين غازي بن زنكي في هذه السنة سار ملك الألمان من بلاده في خلق كثير وجمع عظيم من الفرنج عازما على قصد بلاد الإسلام، وهو لا يشك في ملكها بأيسر قتال لكثرة جموعه، وتوفر أمواله وعدده، فلما وصل إلى الشام قصده من به من الفرنج وخدموه، وامتثلوا أمره ونهيه، فأمرهم بالمسير معه إلى دمشق ليحصرها ويملكها بزعمه، فساروا معه ونازلوها وحصروها، وكان صاحبها مجير الدين أبق بن بوري بن طغدكين، وليس له من الأمر شيء، وإنما الحكم في البلد لمعين الدين أنر مملوك جده طغدكين، وهو الذي أقام مجير الدين; وكان معين الدين عاقلا، وعادلا، خيرا، حسن السيرة، فجمع العساكر وحفظ البلد. وأقام الفرنج يحاصرونهم، ثم إنهم زحفوا سادس ربيع الأول بفارسهم وراجلهم، فخرج إليهم أهل البلد والعسكر فقاتلوهم، وصبروا لهم، وفيمن خرج للقتال الفقيه حجة الدين يوسف بن دي ناس الفندلاوي المغربي، وكان شيخا كبيرا، فقيها عالما، فلما رآه معين الدين، وهو راجل، قصده وسلم عليه، وقال له: يا شيخ، أنت معذور لكبر سنك، ونحن نقوم بالذب عن المسلمين، وسأله أن يعود، فلم يفعل وقال له: قد بعت واشترى مني، فوالله لا أقلته ولا استقلته، فعنى قول الله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111] . وتقدم فقاتل حتى قتل عند النيرب نحو نصف فرسخ عن دمشق. وقوي الفرنج وضعف المسلمون، فتقدم ملك الألمان حتى نزل بالميدان الأخضر، فأيقن الناس بأنه يملك البلد. وكان معين الدين قد أرسل إلى سيف الدين غازي بن أتابك زنكي يدعوه إلى نصرة المسلمين، وكف العدو عنهم، فجمع عساكره وسار إلى الشام، واستصحب معه أخاه نور الدين محمودا من حلب، فنزلوا بمدينة حمص، وأرسل إلى معين الدين يقول له: قد حضرت ومعي كل من يحمل السلاح في بلادي، فأريد أن يكون نوابي بمدينة دمشق لأحضر وألقى الفرنج، فإن انهزمت دخلت أنا وعسكري البلد واحتمينا به، وإن ظفرت فالبلد لكم لا أنازعكم فيه. فأرسل إلى الفرنج يتهددهم إن لم يرحلوا عن البلد، فكف الفرنج عن القتال خوفا من كثرة الجراح، وربما اضطروا إلى قتال سيف الدين، فأبقوا على نفوسهم، فقوي أهل البلد على حفظه، واستراحوا من لزوم الحرب، وأرسل معين الدين إلى الفرنج الغرباء: إن ملك المشرق قد حضر، فإن رحلتم، وإلا سلمت البلد إليه، وحينئذ تندمون؛ وأرسل إلى فرنج الشام يقول لهم: بأي عقل تساعدون هؤلاء علينا، وأنتم تعلمون أنهم إن ملكوا دمشق أخذوا ما بأيديكم من البلاد الساحلية، وأما أنا فإن رأيت الضعف عن حفظ البلد سلمته إلى سيف الدين، وأنتم تعلمون أنه ملك دمشق لا يبقى لكم معه مقام في الشام، فأجابوه إلى التخلي عن ملك الألمان، وبذل لهم تسليم حصن بانياس إليهم. واجتمع الساحلية بملك الألمان، وخوفوه من سيف الدين وكثرة عساكره وتتابع الأمداد إليه، وأنه ربما أخذ دمشق وتضعف عن مقاومته، ولم يزالوا به حتى رحل عن البلد، وتسلموا قلعة بانياس، وعاد الفرنج الألمانية إلى بلادهم من وراء القسطنطينية، وكفى الله المؤمنين شرهم". وجاء في بغية الطلب في تاريخ الحلب لابن العديم: "وسألت أخاه أمير الحاج علي بن سليمان عن مولد أخيه اسماعيل فقال: قالت لي أمي: لما جاء ملك الألمان وحصر دمشق كان لأخيك عشرة أشهر، وكان نزول ملك الألمان على دمشق سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وسئل عن مولده فقال: في حادي عشر رجب سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بدمشق". هذه القصة لا يعلمها كثير من المسلمين أن الألمان جاءوا من بلادهم البعيدة عام 543 ليأخذوا دمشق وقاربوا أخذها غير أن الله عز وجل نجا المسلمين. وهذا باب من التاريخ يستهويني وهي المدن الناجية التي قارب الكفار أخذها ونجت، والمدن العائدة التي أخذها الكفار وعادت مثل طرابلس وعسقلان وتلمسان وغيرها. وأرى أنه ينبغي التركيز على هذا الباب لأنه يبعث الأمل أن الشدائد تزول ولا تبقى فكثير من الناس أصابهم الإحباط من هول ما يرون، والصورة المثالية في أذهانهم عن التاريخ تجعلهم يتصورون أن الحال التي نعيشها معجوز عن إصلاحها ولو بصورة جزئية. وأيضاً إن رأيت محاولات القوم من ذلك الزمن القديم للسيطرة على بلاد المسلمين تعلم سخافة طرح المنكرين لجهاد الطلب، إذ لا يدرون أن من أصدق المقولات (الروم إن لم يغزوا غزوا).