مما قرأته لمحمود شاكر وذكرني بحادثة شارلي ايبدو وحوادث أخرى قوله كما في مجموع مق
مما قرأته لمحمود شاكر وذكرني بحادثة شارلي ايبدو وحوادث أخرى قوله كما في مجموع مقالاته (2/ 832) :" فلما سقطت باريس مدينة فرنسا تحت سطوة الجيوش الألمانية الغازية، لم أكد أتناول شيئا من ذلك إلا وجدت هؤلاء قد لبسوا الحداد، فهو في سطورهم حسرات، وذرفوا الدمع، فهو في كلماتهم قطرات، وتأوهوا وأنوا وتصدعت أكبادهم، وتزايلت أنفسهم، وأظلمت الدنيا في عيونهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وكأن كل أحد منهم قد أخذ أخذًا على أن يحمل القلم، ليثبت أن البكاء الذي في قلبه، يستحيل أيضا بكاء من قلمه.
لم يرد أحد منهم أن ينظر إلى الحقيقة التي يجب أن يفرض على نفسه طلبها والعمل لها. لم يرد أحد منهم أن يعرف أن الأدب أو ما يجرى مجراه -ليس هو الكلام يقال أو يكتب، وإنما هو في أصله وفي أخراه هو طلب الحقيقة وإظهار هذه الحقيقة، ثم يختلف الأسلوب على هذه الحقيقة. إن الأدب المصري أو العربي أو الشرقي عامة، قد فرضت عليه أمته أن يبحث لها عن حقيقتها هي، ليعلق لها هذه الحقيقة، في أسلوب بعد أسلوب، يكون من كل واحد منها أثر يدفع إلى غاية، وتكون الغاية إثباتا لهذه الحقيقة وتقريرا لها في روح الشعب، حتى يتكون من جميع الآثار التي يرمى إليها الأدباء، ما نسميه في هذا العصر بالرأي العام.
فإذا كان إنتاج الأدباء ذاهبا عن هذه الغاية ضالا على وجهه، ليس يهتدى ولا يبصر ولا يستوضح طريقه، فهو إنتاج مخمور، كأنه قد استنقع في كأس من الخمر فهو يمشي متخلعا يتطوح بين حائطين من الضلال، كلما صدم أحدهما قذف به إلى الآخر، ولا يزال كذلك حتى يتهالك مجرحا محطما، لا يتماسك شيء منه على شيء.
لقد سقطت باريس هذا شيء -لا أقول مؤلم أو محزن- بل أقول: هذا شيء كان الظن فيه غير ذلك. فما الذي يؤلم المصري أو الشرقي من سقوط باريس في أيدى الطغاة الذين حملوا على أصحابهم حملة واحدة حتى فرغوا؟ نعم لست أجهل مواقع الحجة لمن يريد أن يحتج منهم، ولكن إن كان الكاتب يألم، فالشعب الذي يكتب له لا يستطيع أن يألم كألمه، أو أن الضرورة الوطنية تحمله على أن يوفر على الشعب عواطفه التي تتألم، لشيء غير هذا. ليس أحد من هؤلاء يجهل أين ينبغي أن تتوجه آلام عواطف الشعب، فالأمر أوضح من أن يحتاج إلى بيان أو دليل، وإذن فواجب هذا الأديب -أو هؤلاء الأدباء- أن يتخذوا من سقوط باريس وأخواتها مادة لتوجيه عواطف الشعب إلى الحقيقة الوطنية العظمى، الحقيقة الوطنية التي لا يعيش الشعب إلا بها، لأنه ليس له قوام إلا بها، ولا بقاء له إلا عليها.
إننا نعانى من قرون بعيدة آلاما كأشد الألم إذا تمكن حتى يفقد صاحبه الشعور به، من طول إلحاحه عليه حتى يعتاده ويقر عليه. وهذه الآلام يعوزها من يقوم على تصويرها لشعبه تصويرًا جديدًا حتى يتمثلها في دمه آلاما جديدة قد ولدت له خاصة في جيله هذا، وبذلك يبقى الشعب أبدًا وهو يجد في دمه تاريخه الموروث بآلامه، فيعرف واجبه في العمل على دوائها والقضاء عليها، فكان يجب على هؤلاء أن ينتزعوا من سقوط هذه المدينة أمثالا جديدة لقرائهم –أي للقوم الذين يتكوَّن منهم الرأي العام- ليوقظوا ذلك التاريخ المنسى الذي طمست عليه فتنة المدنية الحديثة التي أتت إلى بلادنا، فأحالت رجالنا إلى رجال ليسوا منا، وما هم إلا كترجمة فاسدة في لغة ركيكة لكتاب بليغ في لغة أخرى. هذا مَثَلُهم. . .
إن الحياة -أيها المعاصرون الأصدقاء- قد كتبت على الأرض مدنيات كثيرة، علت مدنية وجاءت أخرى فبغت عليها بطوفانها حتى ذهبت بها إلا آثار للتاريخ. لقد قامت مدنية الهند والصين وآشور والكلدان، ومدنية مصر والعرب وغيرهم مما نعلم وما لا نعلم، ثم ألقى الدهر عليها كَلْكَله فسوّاها، فكم من باكٍ بكى على هذه المدنيات المسكينة التي دفنت تحت أجساد متجمدة من الدم؟ كم من باكٍ بكى عليها من غير أهلها؟
ونحن! ! نحن الشرقيين نحن المصريين!نحن العرب هذه أعظم جرائم التاريخ قد فتكت بنا وبرجالنا وبمجدنا، وسلبتنا حتى العقل، حتى الروح، حتى الآمال والأماني والأحلام، من بكى علينا يومئذ؟ ومن يبكى علينا اليوم؟ أين هؤلاء الكتاب الذين فتنتهم باريس بالأمس وأبكتهم على لذاتها اليوم، أين هم من تلك الصور الفظيعة المخيفة التي يعرضها عليهم التاريخ في كتبه؟ صور آبائهم وأجدادهم، ومن يتبجحون بالانتساب إليهم والتحدر من أصلابهم؟ ؟ وهم يتعذبون ويشردون ويطاردون بين خوافق السماء وفي جوانب الأرض! ! ! أولئك هم الغافلون: لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها.