كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= ونقل المجذوب كلام ابن حزم في ذم طريقة الباقلاني وتضليله له وتكفيره ثم قال :" وقد جار ابن حزم على أبي بكر. ولكن أبا بكر قد أهدف- يعني جعل نفسه هدفا - لأن أكثر ما أخذه على الملك الضليل من صميم بلاغة العرب التي عن إعجاز القرآن بها هو يدافع أو زعم أنه انبرى ليدافع" ثم قال :" وأبو حيان بالرغم من مقال الأستاذ السيد صقر تعليقًا على قوله هذا في مقدمته «ولست أرتاب في أن أبا حيان قد جاء بالإفك حين رمى الباقلاني بأنه كان على مذهب الخرمية وطرائق الملحدة» لم يخل من بعض وجه الصواب في قوله غير أنه اشتط شيئًا والشطط له طريقٌ أحيانًا كثيرة إذ كان مقصده من الخرمية القول ببعض مقالات الشعوبية ومقصده من الملحدة ما زل فيه ابن الباقلاني في تحمسه لقضية الإعجاز القرآني من الجسارة على الطعن في بلاغة الحديث- كقوله (ص 207) «وإنما يقع في كلامه وكلام غيره ما يقع من التفاوت بين كلام الفصيحين وبين شعر الشاعرين وذلك أمرٌ له مقدارٌ معروفٌ وحدٌ ينتهي إليه مضبوط والضمير راجع إلى صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام، فتأمل هذه الزلة وغاب عن أبي بكر فغفل عنه أو تغافل قول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} والذي صح من حديثه عليه الصلاة والسلام تتقطع دون بلاغته الأعناق ولا معنى لإقحام ذلك في ميدان من الموازنة بينه وبين القرآن فذلك هو الضلال البعيد. على أنا -والله الموفق للصواب- لا نحمل هذا من ابن الباقلاني على أكثر من أنه عثرة جلبتها عجلة المكابرة وشهوة الغلبة كما قدمنا" وكلامه في ذلك طويل يصلح كتيباً منفرداً ولكنني نقلت منه ما يرشد الطالب إلى المقصود ومن أراد التوسع فليراجع الكتاب المشار وأنا إنما نقلت هذا لأبين أنه مما يكثر في طريقة أهل الكلام أنهم يحاولون نصرة الحق بطرق أهل الباطل فلا يأتون بمقنع وحتى رأيت بعض من يرد على الملاحدة يصنع الأمر نفسه ويتكلف مخاطبتهم بأصولهم ويحسب بذلك أنه محايد وهو يهدم من حجتهم ما يهدم ويشككهم ولا شك ولكنه أيضاً يأتي على كثير من الحق ويفتح باب الجدل من جهة أخرى لبعض أذكيائهم ولهذا الطريقة الصحيحة تكون بتقرير الحق ثم النظر في أصول الباطل ونسفها من الأساس دون تكلف لإقامة الحجة على المخالف بناء على الأصول الباطلة مع إظهار التسليم التام بها وإنما بعد نقض الأصول وبيان الأسس التي بني عليها يبين لهم تناقض أصولهم مع نفسها ومع مقالتهم وهذا ما كان يفعله ابن تيمية لا ما يظنه البعض أنه يخوض خوض المتكلمين وكثير ممن يفتنون بهذه الطرق تجدهم أعرف بكلام أهل الباطل وطرائقهم منهم بالنصوص لاعتقادهم أن النصوص لا تتضمن حججا عقلية أصلية تقنع أهل الباطل وإنما يتم إقناعهم بأصولهم لهذا تجد فيهم من قلة الخبرة والجرأة على رد ما يقبله عامة العلماء الشيء العظيم.