وما عليك ألا تصدق الكذب في يزيد بن معاوية !
وما عليك ألا تصدق الكذب في يزيد بن معاوية !
من الأمور التي تحرم من الإنصاف وحسن التصور للقضايا العلمية أن يكون البحث فيها ضمن تشتيت يمارسه الخصم فالعادة في أهل الأهواء أنهم إذا شعروا بضعف حجتهم في القضية الأصلية عمدوا إلى التشتيت في قضايا فروعية أكثر خفاء ويمكن أن يكون له فيها كلام مع الخصم أكثر
فمن ذلك الجدل في قضية يزيد بن معاوية وما كان الحسين رضي الله عنه وعلى أهل من بعده فيوجد طرف إمامي لا فرق على التحقيق عنده بين عمر بن الخطاب ويزيد بن معاوية بل مجرد تولي الرجل بين يدي المعصوم عنده ظلم عظيم وإن لم يقع منه ظلم مباشر على المعصوم ويقابله طرف سني معظم للصحابة ولا يقر أصلاً بقضية العصمة والظلمة عنده مراتب وليسوا مرتبة واحدة
فكان الأولى الحديث في القضايا الكبرى ثم بعد ذلك الحديث في هذه القضية الفروعية والتي فيها قدر مشترك بين الجميع فالكل يقر بظلم الحسين ولكنهم يختلفون بقدر ما يتحمله يزيد من المسئولية وواقع يزيد العلمي والعملي ( مع كونه ليس من رواة الحديث ولا الفقهاء ولا الصحابة )
في زماننا دخل في هذا الملف أنصار موضوع ( الحكم الجمعي ) سواء بصورته الديمقراطية أو صورته المنتسبة للإسلام وصوروا يزيد على أنه النتيجة الطبيعية للحكم التوريثي الذي لا يعتمد الشورى أساساً ملزماً
ودخل جماعة من أنصار ( التوافقية ) فأرادوا تليين قلوب الإمامية بسب يزيد حتى نصل إلى صيغة توافقية يجتمع عليها الجميع في مشروع حركي عام
ودخل أيضاً جماعة من نقاد التيار السلفي المعاصر لنقد النزعة الأموية عندهم وأنهم يبالغون في الدفاع عن يزيد ونسي أو تناسى أن الموقف الدفاعي دائماً نسبي مع وجود درجة من درجات الإدانة وأن موقف الدفاع من أكثر الناس فيه جموحاً ابن العربي الأشعري وشيخه الغزالي
هؤلاء جميعاً نسوا أو تناسوا قضية محورية ألا وهي أن هذه المقاصد لا تبرر لهم اللامنهجية والتي سأشرح طرفاً منها هنا فإن المقصد المسبق في البحث يحكم على نظرك للقضايا ويضعف تجردك
جماعة من التنويريين ينظرون للتاريخ الإسلامي بإساءة ظن ويدعون وجود إدخالات من الملوك أو المتعصبين ، ولكنهم في الوقت نفسه يصدقون ما يقوله مؤرخي الزمن العباسي عن الأمويين وهذا تناقض صارخ ! ، ويصدقون ما يقوله مؤرخي الشيعة والمعتزلة والشعوبية مع أنه لا يوجد عاقل ينكر كثرة الكذب في الشيعة على خصومهم والغلو في أئمتهم حتى كثير من الإمامية أنفسهم
عدد من المنتمين للمدارس السابقة يحلو لهم ذكر حال أهل الحسين حينما اقتيدوا إلى قصر يزيد وهذه قصة دخلها من التهويل الشيء الكثير والعجيب أن كثيراً منهم ينقل أول القصة ويترك بقيتها ثم يترك الروايات الأخرى المناقضة لها في كتب التاريخ والتي بعض كتابها مذكورين بالتشيع والاعتزال !
ذكر عدنان إبراهيم ( وغيره) رواية فيها أن رجلاً عند يزيد قال له ( هب لي هذه ) على فاطمة بنت الحسين فردت عليه سكينة فقال لها لو أردنا لفعلنا فقالت له سكينة لا يكون هذا حتى تكفر بديني ودين أبي وجدي فرد عليها يزيد بأن الذي كفر هو أبوها وأخوها فردت عليه بأنه من أهلها عرف الدين وقالت له أنت أمير تتجرأ ( يعني تشير أنه ليس من الرجولة أن تتكلم بهذا في حق امرأة وأنت أمير ) فسكت يزيد
عدنان نقل بعض هذا ثم تباكى أن بنات الحسين أخذن كالسبايا
لكنه لم يذكر بقية الرواية وهم في العادة لا يذكرون البقية تتمة الرواية أن يزيد استحى من سكينة ولما كرر عليه ذلك الرجل طلبه شتمه يزيد ودعا عليه بالموت ثم أمر بنساء الحسين يدخلن على نسائه فخرجت نساء معاوية ويزيد يستقبلهن بالبكاء وأقمن المناحة على الحسين ثلاثة أيام وأن يزيد أكرمهن حتى قالت زينب ما رأيت كافراً بالله خيراً من يزيد ! وأن يزيد جلس ثلاثة أيام لا يتغدى ولا يتعشى حتى يرسل لعلي بن الحسين يأكل معه ومرة قال لولد علي أو ابن أخيه أتقاتل هذا الصبي على ابنه خالد فقال له أعطني سكينا وأعطي سكينا نتقاتل فاحتضنه يزيد وقال شنشنة أعرفها من أخزم ، وأنه لما أراد علي وأخواته الرحيل ذهب إليه يزيد ولعن عبيد الله بن زياد وقال له أنني لو كنت مكانه ما سألني الحسين شيئاً إلا أعطيته إياه ، ثم أمر برجل شامي يصحبهم في سفرهم ، وكان حسن الصحبة جداً حتى أن بنات الحسين أردن مكافأته على حسن صحبته فما وجدن إلا حليهن يعطينه إياه فرفض أن يقبل وقال إنما خدمتكم لقربكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي هذه الرواية نفسها يقول يزيد أن الحسين إنما غره أن أباه خير من أبي وجده خير من جدي وأمه خير من أمي ثم يعترف يزيد بهذا كله ويعقب بأن الله يؤتي الملك من يشاء .
وهذه الرواية في سندها رافضي متهم بالكذب !
وهل هذه هي الرواية الوحيدة في الباب التي تحكي القصة ؟
في الواقع لا
=