تدبُّر في آية يكشف نقطة ضعف في التفسيرات التطورية
تدبُّر في آية يكشف نقطة ضعف في التفسيرات التطورية
لماذا نمشي على قدمين وليس أربعة؟
هذه المسألة معضلة في نظرية التطور، لأنهم يفترضون أن أسلافنا كانوا يمشون على أربعة، والانتقال من أربعة إلى اثنين عملية لا تزيد في العمر شيئًا ولا علاقة لها بأي عملية حيوية تزيد العمر وفقًا للأهداف التي يضعها التطوريون لعملية التطور.
كتب الصحفي التطوري بريان بولمر مقالًا في الواشنطن بوست بتاريخ ٢٣ يوليو ٢٠١٣ بعنوان: "التاريخ التطوري يشرح لماذا البشر يمشون برجلين؟".
ولكن تتفاجأ أنه في آخر المقال يقول بعدما ذكر دعوى أن الرجلين أسرع: "لسوء الحظ، هذا لا يمكن أن يفسر المشي على قدمين. كان أسلاف البشر الذين تعلموا المشي منتصبًا لديهم أرجل قصيرة وعنيدة، كما أن عضلاتهم لا تتناسب مع السرعة. كان الرجل المبكر بطيئًا، بغض النظر عن عدد الأرجل التي يستخدمها. قدم علماء الأحياء التطورية مجموعة متنوعة من التفسيرات لسبب تخلينا عن الرباعية، ولكن لم تُقبَل أي منها على نطاق واسع".
ثم انتقل إلى الفكاهة ليرقِّع حيرته:
"يعتقد البعض أن المشي منتصبًا حرَّر أيدي البشر للاستيلاء على الفاكهة المتدلية. يعتقد البعض الآخر أن الزواج الأحادي الجنسي أدى إلى المشي على قدمين. بموجب هذه النظرية، عندما توقف أسلافنا عن القتال باستمرار من أجل الإناث واستقروا مع تلك السيدة الأولية الخاصة، كانوا بحاجة إلى أيدي حرة لنقل الطعام إلى المنزل للعائلة -وربما حتى الزهور أو الهدايا الصغيرة إذا كانت السيدة الأولية منزعجة-".
أقول: هو هنا يمزح، فالزواج بامرأة واحدة فقط هي ثقافة بعض البلدان الغربية المتأخرة تاريخيًّا ولا يمكن أن يفسر المشي على قدمين في كل البشر حتى من يسمونهم "أسلاف البشر" ممن يفترضون فيهم أنهم كائنات وسيطية بين البشر والقرود.
وهكذا في عامة الأبحاث في هذا السياق، تجد عناوين مشوِّقة وتوحي بالقطع، ولكنك إن قرأت المقال تجد شكوكًا وحيرةً وكلامًا مبعثرًا.
قد يقول قائل: تحرُّر أيدينا واضح الحكمة، وهذا أعطانا ميزات كثيرة، فلماذا لا يعتمد التطوريون ذلك؟
الجواب: هم يفترضون أن الأمر بدأ في الغابة لذا يجب أن تفسِّر لهم لماذا يمشي كائن على رجلين بعد أن كان يمشي على أربع في الغابة، ثم هم لا يهتمون إلا بالبقاء، فكل تفسير يجب أن يتعلق بالبقاء لا بغاية أخرى ككون الإنسان مثلًا يكتب الكتب.
بعد هذا تأمَّل قوله تعالى: "وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
وقد كان العديد من النظار يستدل على صفة الإرادة بأمر التخصيص، بمعنى أن التنويع بين الكائنات يدل على صفة الإرادة، فهو سبحانه أراد لهذا الكائن أن يمشي على رجلين ولهذا أن يمشي على أربع.
ولكن غلط منهم من غلط حين جعل الإرادة مفصولة عن الحكمة، فالإرادة ليست تخصيصًا دون حكمة وفائدة، ومِن تلك الحكمة إظهار قدرة الله وأنه يفعل اختيارًا سبحانه (ومن أثبت الإرادة ونفى الفعل الاختياري فقد تناقض جدًّا)، والفعل الاختياري إثباته لله هو باب النقض على الفلاسفة القائلين بقدم العالم (فهم نزهوا الله عن الفعل الاختياري بشبهات فاسدة، وقالوا أن الكون لم يخلق بفعله الاختياري بل هو أزلي ملازم له سبحانه)، وأهل الكلام أثبتوا حدوث العالم ولكن نزهوا الله أن يفعل ما شاء متى شاء فعلًا قائمًا بذاته، فوقعوا في تناقض عجيب، وهذا سبب قولهم بخلق القرآن، فهم ينفون أن يكون الله يتكلم بما شاء متى شاء لا بالقرآن ولا بغيره، لذا جعلوا القرآن مخلوقًا من (مفعولاته) لا كلامًا من أفعاله.
فتأمَّل كيف جمعت هذه الآية التنبيه على فساد مقالات المنحرفين قديمًا وحديثًا من شيء مُشاهَد تراه أمامك حتى يرتبط عندك التدبر في المخلوقات بتذكر عظمة الخالق وفساد مقالات المبطلين.