كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الاتساق المنهجي ضرورة بحثية

المصدر
الاتساق المنهجي ضرورة بحثية أعني بالاتساق المنهجي أن تكون طريقة الباحث في أصول الفقه وأصول الحديث في جميع الأبحاث واحدة ، وقد يقع لبعض أعيان العلماء نوع تناقض خفي لا يتنبهون له يكشفه نظراؤهم من العلماء ، ونحن في زماننا هذا الكثير جداً من الباححثين المصنفين ليس عندهم دراسة مستوفية لعموم مسائل الشريعة وإنما تجد المرء منهم يحكم باباً من العلم ثم بقية العلم رصيده فيه أبحاث متفرقة وقراءات متناثرة ثم هو يتكلم في هذا الباب الذي لم يحكمه على التقليد بنفس الوثوقية التي يتكلم فيها في الباب الذي هو محكم له فيحصل للكثير من الناظرين التشوش رأيت بعض الدكاترة يرد على الدكتور عبد الرحمن الدمشقية في إيراده لهذه الرواية في سياق الاحتجاج لجواز كشف الوجه وهي ما رواه ابن خزيمة نصر بن علي الجهضمي أخبرنا نوح ـ يعني ابن قيس الحداني ـ ثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال Y كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم امرأة حسناء من أحسن الناس فكان بعض القوم يتقدم في الصف الأول لئلا يراها و يستأخر بعضهم حتى يكون في الصلاة المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطه فأنزل الله عز و جل في شأنها : { و لقد علمنا المستقدمين منكم و لقد علمنا المستأخرين }. وقد أحسن هذا الدكتور الجواب على هذا الإيراد ولكنني حين قرأت أن الدكتور الدمشقية احتج بهذا الخبر استرجعت وقلت كيف وقع في هذا وهو المعتاد على كشف تناقضات الخصوم قال عبد الرحمن الدمشقية في كتابه موسوعة أهل السنة _ والذي قضيت معه أوقاتاُ جميلة بحق _ :" رواية الكوة إلى السماء · أن أهل المدينة قحطوا قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كواً إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا ، فمطروا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق. هذه الرواية منكرة، فيها: 1 ) أبو النعمان محمد بن الفضل. اختلط [انظر عن اختلاطه في الكواكب النيرات (ص 382-383) رقم 52]. 2 ) عمرو بن مالك النكري. قال فيه ابن عدي: «حدث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة » والنكري ضعيف عند البخاري [الكامل 1/402 التهذيب 1/384 وفي الكامل المطبوع تصحيف والتصويب من التهذيب وهذا الأثر من روايته فيكون غير محفوظ]. 3 ) أوس بن عبد الله (أبو الجوزاء) قال البخاري: "في إسناده نظر" [التاريخ الكبير 1/172 الكامل 1/402 التهذيب 1/384]. 4 ) سعيد بن زيد، فيه ضعف، ضعفه الدارقطني وأبو حاتم والنسائي والجوزجاني والبزار وقال أحمد لا بأس به، وقال ابن حبان: « كان صدوقاً حافظاً يخطئ في الأخبار ويهم حتى لا يحتج به إذا انفرد » [تهذيب التهذيب 4/33 ميزان الاعتدال 2/138]. وعلى فرض صحة سندها فإنها معارضة للروايات الأصح منها سنداً والتي أفادت ترك الصحابة التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم" سبب إيرادي لهذا الكلام أن عمرو بن مالك النكري الذي قال فيه ابن عدي : روى عن أبي الجوزاء أحاديث غير محفوظة . واعتمد الدمشقية هذا النقد في نقد رواية التوسل هو نفسه راوي رواية المرأة الحسناء التي احتج بها عن أبي الجوزاء ! ، وفعلا الروايتان منكرتان فأما رواية الكوة فنكارتها في أنه لم ينص أي فقيه على استحباب هذا الفعل من المتقدمين وهو فتح الكوة من قبر النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء ، وأما الخبر الآخر فنكارته بينة فالسورة مكية وما كان للمسلمين مساجد في مكة يجتمع فيها الرجال والنساء فصدق ابن عدي في قوله أحاديث غير محفوظة ، وإن من المؤسف أنك في خضم اتهامك لغيرك بالتقليد تقع أنت في التقليد فإن التناقض تابع فيه الدكتور بعض أعيان المعاصرين ممن اشتدت خصومته مع نظرائه في هذه المسألة ، والمرء العاقل يعرف متى يتكلم وبما يتكلم وتحرير المسائل العلمية الدقيقة يحتاج بنية أصولية وحديثية متينة مع فهم لمقاصد الشريعة العامة مع استيعاب لغالب ما كتب في الموضوع وفهم واقع الخلاف هل هو بين متدينين فحسب أم أَن هناك جهة بعيدة عن التدين تريد الاستفادة من بعض الأقوال وتحميلها ما لا تحتمل ثم سؤال الله عز وجل التوفيق والسداد فذلك رأس المال.