حين تنطق الفطرة على لسان اللغة
حين تنطق الفطرة على لسان اللغة
قال علي بن إسماعيل بن سيده المتوفى: 458هـ في كتابه شرح المشكل من شعر المتنبي :" وَضَاقَتِ الأَرضُ حتى كان هارِبُهم ... إذا رأى غيرَ شيء ظَنَّه رَجُلا
أما الرؤية فلا تقع على غير شيء، لأن غير شيء ليس بمحسوس إحساس الجوهر، ولا إحساس العَرَض، لأن غير شيء خارج عن الجوهر والعَرَض، لأن كل واحد من الجوهر والعرض شيء"
أقول : حين قرأت كلامه بأن الرؤية لا تقع على غير شيء ومعنى هذا أن ما لا تجوز عليه الرؤية بحال فليس بشيء ( فهم يرون أن الله مستحيل أن يراه أحد وأن ذلك من التوحيد لأنهم في واقعهم لا يثبتون لله وجوداً حقيقياً في الخارج )
تذكرت كلام الجهمية في أن الله لا يجوز عليه أن يرى وأنه لا داخل العالم ولا خارجه وكيف أن السلف وصفوا هذا الكلام بأنه عبادة للعدم
ولاحظ تسوية ابن سيده بين نفي الجوهر والعرض معاً وإثبات العدمية علماً أنها ألفاظ كلامية عسيرة غير أن المعنى أظهر في قولهم لا داخل العالم ولا خارجه والمعطلة كل من أثبت لله عز وجل وجوداً حقيقياً عينياً في الخارج قالوا مجسم
قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل :" ولو اعتصموا بالكتاب والسنة لاتفقوا كما اتفق أهل السنة والحديث فإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شيء من أصول دينهم ولهذا لم يقل أحد منهم إن الله جسم ولا قال إن الله ليس بجسم بل أنكروا النفي لما ابتدعته الجهمية من المعتزلة وغيرهم وأنكروا ما نفته الجهمية من الصفات مع إنكارهم على من شبه صفاته بصفات خلقه مع أن إنكارهم كان على الجهمية المعطلة أعظم منه على المشبهة لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه
كما قيل المعطل يعبد عدما والمشبه يعبد صنما
ومن يعبد إلها موجودا موصوفا بما يعتقده هو من صفات الكمال وإن كان مخطئا في ذلك خير ممن لا يعبد شيئا أو يعبد من لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات ونفاة الصفات وإن كانوا لا يعتقدون أن ذلك متضمن لنفي الذات لكنه لازم لهم لا محالة لكنهم متناقضون ولهذا لايوجد فيهم إلا من فيه نوع من الشرك ولا بد من ذلك لنقص توحيدهم الذي به يتخلصون من الشرك "
قال شيخ الإسلام في بيان تلبيس الجهمية مخاطباً الرازي (4/292) :" فتبين أن الذي قلته أقبح من هذا الشرك ومن جعل الأنداد لله كما أن جحود فرعون الذي وافقتموه على أنه ليس فوق السموات رب العالمين إله موسى جحوده لرب العالمين ولأنه في السماء كان أعظم من شرك المشركين الذين كانوا يقرون بذلك ويعبدون معه آلهة"
قال ابن خزيمة في التوحيد :" قد أعلمت قبل أن العلماء لم يختلفوا أن جميع المؤمنين يرون خالقهم في الآخرة لا في الدنيا، ومن أنكر رؤية المؤمنين خالقهم يوم المعاد، فليسوا بمؤمنين، عند المؤمنين، بل هم أسوأ حالا في الدنيا عند العلماء من اليهود، والنصارى، والمجوس، كما قال ابن المبارك: «نحن نحكي كلام اليهود، والنصارى، ولا نقدر أن نحكي كلام الجهمية"
وإنكار العلو أشد من نفي الرؤية
وقال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل مبيناً موافقة متأخري الأشعرية لهؤلاء القوم في أعظم المسائل الخلافية :" فإن الأشعري مخالف لهم فيما أظهروه من مخالفة السنة، كمسألة الرؤية والقرآن والصفات.
ولكن أصولهم الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة، مثل هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع، فإن هذا أصل أصولهم، كما قد بينا كلام أبي الحسين البصيري وغيره في ذلك، وأن الأصل الذي بنت عليه المعتزلة كلامهم في أصول الدين، هو هذا الأصل الذي ذكره الأشعري، لكنه مخالف لهم في كثير من لوازم ذلك وفروعه، وجاء كثير من أتباع المتأخرين، كأتباع صاحب الإرشاد فأعطوا الأصول - التي سلمها للمعتزلة - حقها من اللوازم، فوافقوا المعتزلة على موجبها، وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه، فنفوا الصفات الخبرية، ونفوا العلو، وفسروا الرؤية بمزيد علم لا ينازعهم فيه المعتزلة، وقالوا: ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى، وإنما خلافهم مع المجسمة، وكذلك قالوا في القرآن: إن القرآن، الذي قالت به المعتزلة: إنه مخلوق، نحن نوافقهم على خلقه، ولكن ندعي ثبوت معنى آخر وأنه واحد قديم.
والمعتزلة تنكر تصور هذا بالكلية، وصارت المعتزلة والفلاسفة - مع جمهور العقلاء، يشنعون عليهم بمخالفتهم لصريح العقل، ومكابرتهم للضروريات"
تدبر هذا الكلام جيداً وقارنه مع كلام السلف في الجهمية والمعتزلة ثم انظر هل الموقف المنتشر بين المعاصرين في شأن تقويم بدعة الأشعرية _ خصوصاً المتأخرين _ سليم مع مصيبة تسمي هذه الفئة بالسنة مع كون مقالتها عين مقالة أعظم أعداء السنة ؟.
=