كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= لن أعلق طويلًا على العنوان المسيء للشرع (الإسلام تربى في بيت امرأة تاجرة) فالإسلام هو الوحي الذي يربي الناس. حين يقرأ الناس "فلانة كانت تاجرة" فما الذي يظنونه؟ يُسقطون الأمر على الصورة الموجودة اليوم، امرأة خرَّاجة وتُخالط الرجال كما هو السياق العصري، والعجيب أن هذا كله سيق مساق الكلام عن الوظائف العصرية. وفي زمن السلف كانت المرأة ربما صنعت شيئًا في بيتها فجاءتها النسوة فاشترين منها أو تعطيه لغلامها أو ابنها أو زوجها فيبيعه لها وهي قارة في بيتها. والآن نأتي لتفصيل الجواب؛ أما أم المؤمنين زينب بنت جحش فهل يُعقل أن تكون قد خالفت الآية الكريمة {وقرن في بيوتكن}؟ حاشاها بل كانت قارة -رضي الله عنها‐. وإنما روي قول عائشة: "وكانت زينب امرأة صناعة اليد، فكانت تدبغ، وتخرز، وتصدق به في سبيل الله عز وجل". تدبغ أيْ تدبغ الجلود وتخرز أيْ تخرز النعل، ويُحتمل أن النعال تُصنع من نفس الجلود المدبوغة، وهي إما كانت تعطي هذه لغلمانها أو لخدمها فيبيعونه وتتصدق بثمنه أو هي تتصدق بهذه النعال والجلود على المجاهدين في سبيل الله، وهذا يوحي به ما ورد في بعض ألفاظ الرواية في قول عائشة "تصدق به" وقولها "في سبيل الله"، فالأمر ليس فيه تجارة ولا بيع وشراء أصلًا، ولو كان فهو خلاف الحالة العصرية. وأما أمر سودة وأنها تصنع الأديم الطائفي فليس في الرواية أنها كانت تبيعه، وهي رواية موجودة في كتب معرفة الصحابة وليس لها إسناد بين أيدينا. وأما خبر هند بنت عتبة مع عمر بن الخطاب فهذا لم أجده بعد طول بحث. وأما بقية الأخبار فلا يثبت منها شيء، ولو ثبتت فامرأة تصنع عطرًا فتغشى النساء بيتها أو تزورُهن ويشترين منها، مَن الذي اعترض على مثل هذا؟ فخبر أسماء بنت مخربة مثلًا فيه أن ابنها هو الذي كان يسافر لليمن ويحضر لها العطر الذي تبيعه على النساء، وهذا أبعد ما يكون عن حال الاختلاط العصرية، فالرجل لا يباشر بيع العطور على النساء وإنما يتوسط بينهما محرم للرجل (غير أن الخبر من رواية الواقدي وهو متهم). وعلى هذا يُخرَّج حديثهم عن الأَمة التاجرة، علمًا أن مجرد الكلام عن الحقوق المالية لا يعني الجواز، فالفقهاء إن تكلموا في بابٍ فإنهم يتحدثون عن الأحكام المتعلقة به فحسب، فلو قال قائل منهم (ومَن خلل خمرًا ثم وقع على ثوبه فصلى بذلك الثوب فصلاته صحيحة) فليس معنى هذا حِل تخليل الخمر وإنما هو يتكلم هنا عن باب الطهارة والنجاسة. وفي صحيح البخاري من طريق ابن جريج: "أخبرنا قال: أخبرني عطاء: إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهن؟ وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال؟ قلت: أبَعد الحجاب أو قبل؟ قال: إي لعمري، لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكُنَّ يخالطن، كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة من الرجال، لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت: «انطلقي عنك»، وأبت، يخرجن متنكرات بالليل، فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت، قمن حتى يدخلن، وأُخرِج الرجال". وهذا في طواف عبادة عارض.