=
=
وقال ابن عساكر في تاريخه (60/384): "سمعت أبا الوقت عبد الأول بن عيسى يقول: كان الإمام عبد الله الأنصاري إذا رأى مؤتمنا يقول: لا يمكن أحد أن يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما دام هذا حيا".
أقول: الإمام عبد الله الأنصاري هو شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي صاحب ذم الكلام الذي يسميه السبكي (شيخ إسلام المجسمة).
وهو صاحب كتاب ذم الكلام الذي عقد فيه فصلاً في ذم الأشعرية وتكفيرهم، حتى نقل عن بعض شيوخه أنه أدرك أكثر من ألف شيخ على ذلك.
أبو الوقت السجزي من شيوخ ابن عساكر، ويروى من طريقه صحيح البخاري، وهو أيضاً يروي كتاب شيخه ذم الكلام وأهله، وكان أبو الوقت معظماً لشيخه جداً حتى أنه يسمي نفسه (خادم شيخ الإسلام) على جلالته وعلمه.
والذي أريد قوله من هذا أن المكاثرة بأن الفرقة الفلانية منهم فلان وفلان وفلان من المشاهير لا تغني من الحق شيئاً، فقد يأتي لك القوم بأقوام لا يخالفون فحسب بل ينتهي كلامهم إلى التكفير وهم موصوفون بالإمامة والحفظ.
وأن الأشعرية هم أحوج لغيرهم منهم إليهم، وانظر في زمن ابن عساكر يروي عن عدد كبير من الحنابلة حتى أنهم يشكلون حصة الأسد من مروياته في التاريخ، وكم رأى من حافظ وعالم جليل يخالف معتقده وينسب أصحابه الأشعرية إلى كل نقيصة ومع ذلك ما تزعزع، وعامة من تسميهم من الأشعرية المشاهير ما كانوا قد ولدوا في زمن ابن عساكر، وهؤلاء ثلاثة من مشاهير المخالفين لهم عدد هائل من الشيوخ والتلاميذ على طريقتهم وهناك غيرهم.
وقد كانت ألفاظ الثناء في الأزمنة المتقدمة عزيزة لا يتوسع الناس فيها، ولا يطلقون الإمامة على أي أحد، بينما زاد الأمر جداً في الأزمنة المتأخرة، فظن كثير من المعاصرين أن هؤلاء المتأخرين هم أعمدة الدين، وأنهم أعلم من السلف، وأن كثرة المجلدات مع ألفاظ التفخيم تفيد هذا المعنى، والأمر ليس كذلك.
فكثرة المجلدات لها أسباب من كون المتأخر يجمع بين مصنفات المتقدمين وكونه يحتاج إلى أيضاح أمور كان المتقدمون لا يحتاجون إلى إيضاحها لفشو العلم، وكونه يتعامل مع البدع الجديدة. ومن المتأخرين من في كلامه من الحشو والبدع ما الله به عليم، فلو اختصر واقتصر لكان خيراً له، ثم إن المتأخر عالة على المتقدم، ومما أجمع عليه أهل التحقيق أن علوم المتقدمين أكثر نقاءً.
والمراد من هذا التقرير أن كثيراً من حجج القوم يمكن أن تنعكس عليهم بسهولة، ودعوى (الطعن في العلماء) هي لازمة لهم لا محالة.