كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الدعوة بين مشاهدة صفات الخالق والحرص على هداية الخلق

المصدر
الدعوة بين مشاهدة صفات الخالق والحرص على هداية الخلق قال تعالى : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) ( ولا تجهر بصلاتك ) قال جماعة من السلف فيسمعك المشركون فيؤذونك وثمة علة أخرى ذكرت عند قوله تعالى ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ) عللها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنه معكم إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده. فهنا أنت تشاهد آثار إيمانك بصفات الخالق في عبادتك فلا تجهر بدعائك جهراً كأنك تخاطب أصماً أو غائباً وهذه ينبغي أن يأخذ منها الداعية إشارة أنه إذا دعا إلى الله لا ينبغي أن يعامل هذه الدعوة معاملة مشاريع الدنيويين في النظر في المصلحة والمفسدة ومقاييس النجاح فمن يدعو لشيء دنيوي يصيبه الإحباط الشديد إذا لم يحصل نتيجة حاضرة وقد يتنازل عن ثوابته ليحصل شيئاً من النفع الحاضر وأما من يدعو لله فعزاؤه الإخلاص ولا يعول على جهده وإنما يعول على توفيق الله ولا يعني هذا أن يصير المرء منفراً ولكن يصبر على ما أصابه ويتعزى بالله ولا يصيبه الإحباط لأدنى شيء فإن الله الذي يدعو إليه غني عن العالمين وإليه مآلهم ولو شاء لهداهم أجمعين ومشاهدة آثار أسماء الله وصفاته وذكر اليوم الآخر أعظم ما يعين على هذا المعنى ولا يفرغ القلب لذلك مثل فراغه في الصلاة لهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة ليستعين بذلك على مشاق الدعوة ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) غير أن هناك من دخل عليه الشيطان وصده عن الدعوة بحجة الإخلاص والخوف من الرياء وهذا الذي جاء علاجه بقوله تعالى : ( ولا تخافت ) فالنهي عن المخافتة التامة لأن من شعائر الدين ما ينبغي أن يظهر ليتعلمه الناس قال الطبري في تفسيره حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، قال: فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم (ولا تجهر بصلاتك) فيسمع المشركون (ولا تخافت بها) عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوا عنك. تأمل قوله ( حتى يأخذوا عنك ) فمن الناس من شاهد الإخلاص حتى غفل عن الحرص على هداية الخلق ، ومنهم من حرص على هداية الخلق حتى خرج عن الإخلاص وداهنهم أو دخل عليه الحزن الشديد لعدم استجابة الخلق له ومن يشاهد الأمرين معاً يستقيم حاله فلا تذهب نفسه حسرات على الخلق ولا يهملهم